قوله: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى تعدت عليها) الفاء للتعقيب أو السببية بناء
على جعلهم الطلب بالصلح سببًا للبغي والكلام في كلمة الشك مثل ما مَرَّ. وقد سبق غير
مرة أن كلمة الشك في كلام الله تَعَالَى حيث لم ينقل عن الغير بالنظر إلَى ما هُوَ في نفس
الأمر لا بالنسبة إلَى الله تَعَالَى.
قوله: (ترجع إلَى حكمه) أي الأمر واحد الأمور فالْمُرَاد الحكم.
قوله: (أو ما أمر به) فالأمر واحد الأوامر قدم الأول لأنه الْمُتَبَادَر عَلَى أنه يحتمل أن
يكون من الأمر واحد الأوامر عَلَى أن المرإد لازمه، وَأَيْضًا الْمُرَاد ما أُمرُوا به عَلَى الاحتمال
الثاني فيكون مَجَازًا.
قوله: (وإنما أطلق الفيء عَلَى الظل لرجوعه بعد نسخ الشمس) جواب سؤال مقدر
نشأ من تفسير تفيء بترجع فأَشَارَ إلَى أن الفيء كل معناه يعتبر فيه الرجوع الْمُنَاسب له
فالظل الواقع بعد الزوال يسمى فيئاً لرجوعه إلَى الوجود بعد نسخه. أي بعد إعدامه الشمس
في وقت الزوال، وقد لا يعدم الظل بالمرة فحِينَئِذٍ رجوعه إلَى الزّيَادَة.
قوله: (والغنيمة لرجوعها من الْكُفَّار إلَى الْمُسْلمينَ) وفيه تنبيه عَلَى أن الأموال يَنْبَغي
أن تكون للمسلمين لأنها خلقت للعبادة فتقع في أيدي الْكُفَّار كأنها عارية فيهم ثم رجعت
إلى أصل مالكها وظني أن هذا البيان هنا قليل الجدوى.
قوله: ( [بفصل] ما بَيْنَهُمَا عَلَى ما حكم الله: وتَقْييد الإصلاح بالعدل هَاهُنَا لأنه مظنة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ترجع إلَى حكم الله أو ما أمر به. يعني الْمُرَاد بالأمر في قوله عز وجل:(حتى
تفيء إلَى أمر الله)إما حكم الله فيكون الأمر واحدًا من الأمور، وإما ما أمر به
فيكون واحد الأوامر. قوله: وإنما أطلق الفيء عَلَى الظل الخ. يريد بيان المناسبة في إطلاق الفيء
على الظل وعلى الغنيمة. يعني لما كان أصل معنى الفيء الرجوع أطلق عَلَى الظل وعلى الغنيمة
لوجود معنى الرجوع فيهما وهذه المناسبة إنما في لترجيح التسميه لا لتَجْويز الإطلاق فلا يلزم
أن يطلق اسم الفيء عَلَى كل ما يوجد فيه معنى الرجوع. قال الراغب: الفيء الرجوع إلَى حالة
محمودة قال الله تَعَالَى: (فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (فإن فاءوا فإنَّ اللَّهَ
غفور رحيم)ومنه فاء الظل. وقيل للغنيمة التي لا يلحق بها مشقة في قوله
تَعَالَى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ) .
قال بعضهم: سمي ذلك بالفيء الذي هُوَ الظل تنبيهًا عَلَى أن أشرف أعراض الدُّنْيَا يجري مجرى
ظل زائل. والفيئة الجماعة المتظاهرة التي يرجع بعضهم إلَى بَعْضٍ في التعاضد.
قوله: وتَقْييد الإصلاح بالعدل هنا لأنه مظنة الحيف. يريد بيان وجه تَقْييد أصلحوا الثاني
بالعدل وترك تَقْييده به في الأول وتلخيص ما ذكر أن العدل إنما يجري فيما يتصور فيه الظلم
والحيف، ولما كان هذا الصلح بعد المقاتلة كان المقام مقام أن يظن فيه الحيف المحتاج في إزالته
إلى العدل وتضمين الجنايات، ولا كَذَلكَ الصلح الأول فإن الغرض فيه إماتة الضغائن رسل الأحقاد
دون ضمان الجنايات. استدل رحمه الله عَلَى كون الثاني مظنة الحيف بوقوعه بعد المقاتلة. وفيه نظر