من توجه الْعبَادَة لكن العقل حاكم عليهما، فبهذا الاعتبار لا يمنعان التوجه إلَى الْعبَادَة.
قوله: (جعل خلقهم مغيًا بها مُبَالَغَة في ذلك) وإن لم يكن له غاية مقصودة
للفاعل باللام مُسْتَعَار لترتب الْعبَادَة عَلَى خلقهم لكونه مُشَابِهًا لترتب الغاية المطلوبة
على الْفعْل في مطلق الترتيب هذا هُوَ الْمَشْهُور كما حقق في قَوْله تَعَالَى:(فَالْتَقَطَهُ آلُ
فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)الآية. وقيل جعل خلقهم مغيًا بها يعني
على الاسْتعَارَة إما بتشبيه المعد له بالغاية المطلوبة، أو بتشبيه المعد بالمغيا فحِينَئِذٍ تكون
الاسْتعَارَة في مدخول اللام عَلَى أنه اسْتعَارَة مكنية واللام قرينة تخييلية والثاني غير
مَشْهُور فيما بينهم، وأما ما قال صاحب الكشف من أن الغاية لا يشترط فيها إرادة الْفَاعل
إلا إذا علم أن الباعث مطلوب في نفسه فهي عَلَى حقيقتها ولا [تحتاج] إلَى التأويل فإنهم
خلقوا بحَيْثُ يتأتى منهم العادة ويهدوا إليها، وجعلت تلك غاية كمال تخلقهم وتعوق
بعضهم عن الوصول إليها لا يمنع كون [الغاية غاية انتهى] . فضعيف جدًا فإن الْفَاعل
الْمُخْتَار لا يفعل إلا بإرادة الغاية والغرض، لكن الغرض الْمَذْكُور ليس باعثًا له تَعَالَى
على الْفعْل لأنه نقص لاستكماله بالغير فيكون في حقه تَعَالَى كالمنافع المترتبة عَلَى
فعلنا فكما لم [تكن] تلك المنافع باعثًا عَلَى فعلنا كَذَلكَ تلك الغاية المترتبة عَلَى فعله
تَعَالَى باعثًا عَلَى فعله، فاللام الداخلة عَلَى المصلحة والمنفعة مسْتعَارَة تبعية أو مدخولها
اسْتعَارَة مكنية، واللام قرينتها كما مَرَّ. وفيما وضع له اللام الإرادة معتبرة كَيْفَ لا وقد
صرح أئمة البيان أن اللام في قَوْله تَعَالَى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ) الآية.
مسْتعَارَة تبعية فما ذكره مخالف لتصريح الأئمة وكلام الكَشَّاف ينادي عليه بأعلى صوت
حيث قال: معنى التعليل في اللام وارد عَلَى طريق الْمَجَاز لأنه لم يكن [داعيهم] إلَى
الالتقاط أن يكون لهم عدوًّا وحزنًا. ومخالف أَيْضًا بما يشهد له العقل لأن الغرض ما
يقصد من الْفعْل والغرض والغاية متحدان ذاتًا ومختلفان اعتبارًا، ومنشأ ذلك عدم التفرقة
بين الغاية والفَائدَة مع أن الفَائدَة أعم من أن يكون مطلوب الْفَاعل [أو لا] ، والغاية مقصود
الْفَاعل فما يترتب عَلَى الْفعْل بلا قصد فَائدَة لا غاية. والحاصل أن تمكنهم من الْعبَادَة
مع كونها مطلوبة منهم نزل منزلة ترتب الغاية عَلَى الْفعْل فجعل الْعبَادَة غاية للخلق بهذا
التأويل مُبَالَغَة في ذلك. أي مُبَالَغَة في سببية كون خلقه عَلَى صورة مذكورة للعبادة فلا
تكون العبادة غاية مطلوبة للخلق حَقيقَة بل تنزيلًا فهَاهُنَا جعل العبادة غاية للخلق تنزيلًا
فاستعير له اللام وفي قوله تَعَالَى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)
جعل ترتب العداوة والحزن بالْفعْل عَلَى الالتقاط مع عدم كونه مطلوبًا
منه منزلة الغاية المطلوبة فأدخل اللام عليه اسْتعَارَة فظهر الفرق بَيْنَهُمَا. فإن ما نحن فيه
العبادة مطلوبة ادعاء وتنزيلًا سواء ترتب عَلَى العلق أو لا، وفي الآية الْمَذْكُورة ترتب
العداوة عَلَى الالتقاط بالْفعْل مع عدم كونه مطلوبًا، فاللام فيهما اسْتعَارَة وإن تغاير جهة
الاسْتعَارَة فيهما وقس عَلَى ذلك ما عداهما.