فهرس الكتاب

الصفحة 9600 من 10841

قوله: (ولو حمل عَلَى ظاهره مع أن الدليل يمنعه) وهو كون الْعبَادَة مقصودة من

الخلق بالْفعْل مع أن الدليل وهو أن أفعال الله تَعَالَى لا تعلل بالأغراض الباعثة عَلَى الْفعْل

لأنه استكمال بالغير فإن معناه لولا الغرض الْمَذْكُور لما قدر عَلَى الْفعْل كما في فعلنا، ومن

قال إن أفعاله تَعَالَى معللة بالأغراض أراد بها المصالح والمنافع لأن أفعاله تَعَالَى لا تخلو

عنهما وإلا لكان عبثًا ويعلم ترتبها عَلَى فعله فيشبه الأغراض لكنه ليس باعثًا عَلَى فعله

تَعَالَى ولا أظن أن أحدًا من العقلاء يخالف ذلك فضلًا عن العلماء. وقيل الْمُرَاد أن الدليل

قائم عَلَى أن الله تَعَالَى لا يخلق الخلق لأجل الْعبَادَة أي لإرادة الْعبَادَة؛ إذ لو أراد العبادة لم

يتخلف ذلك لأن الْمُرَاد لا يتخلف عن الإرادة العلية عند أهل السنة مع أنه تخلف

بالمشاهدة. وفيه تأمل فلا تغفل.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *

قوله: ولو حمل عَلَى ظاهره مع أن الدليل يمنعه لنا في ظَاهر قوله:(وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ

كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ). هذا رد عَلَى صاحب الكَشَّاف حيث قَالَ: أي ما خلقت

الجن والإنس إلا لأجل الْعبَادَة ولم أرد من جميعهم إلا إياها. ثم قال فإن قلت: لو كان مريدًا للعبادة

منهم لكانوا كلهم عبادًا؟ قلت إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة لا مضطرين إليها لأنه

خلقهم ممكنين، فاختار بعضهم ترك الْعبَادَة مع كونه مريدًا لها، ولو أرادها عَلَى القسر والإلجاء

لوجدت [من جميعهم] . لما وجد ظَاهر الآية موافقًا لمذهبه في أن أفعال الله تَعَالَى معللة بالأغراض فسرها

على وفق مذهبه فتوجه عليه أن العبادة إذا كانت علة [لخلق] الجن والإنس كانت الْعبَادَة [مراد الله]

تَعَالَى من خلق الفريقين فلو كان مرادًا للَّه لكانوا كلهم عابدين، فأجاب بما هُوَ معتقده من أن إرادة

الله تَعَالَى لا تستلزم الْمُرَاد فيجوز أن يتخلف الْمُرَاد عندهم عن الإرادة، وعندنا لا يجوز ولذا حملنا

اللام فيه عَلَى الْمَجَاز. شبه الْعبَادَة في [ترتبها] عَلَى الخلق بالعلة والغرض فاستعمل في المشبه ما هُوَ

مَوْضع للمشبه به. قال صاحب الانتصاف: من عادته إذا رأى ظاهرًا يوافق معتقده أورد مذهب أهل

السنة سؤالًا وأورد معتقده جوابًا، والْجَوَاب الذي ذكره لا يصح فإن السؤال مقدماته عَقْليَّة قطعية

والظَّاهر إذا خالف القطع يجب رده إلَى الأدلة القطعية، وظَاهر الآية دليل لأهل السنة لأنها سيقت

لبيان عظمة الله تَعَالَى وأن شأنه مع عبيده لا يقاس بغيره فإن عبيد الخلق مطلوبون بالخدمة لكسبهم

للسيادة بواسطة كسب العبيد تدر أرزاق سادتهم، والله تَعَالَى لا يطلب من عبيده رزقًا ولا طعامًا بل

يطلب منهم الْعبَادَة لا غير، وزائد عَلَى ذلك أنه هُوَ الذي يرزقهم. فحاصله وما خلقت الجن

والإنس إلا لأمرهم بعبادتي. وقال الطيبي رحمه الله: أما مقتضى النظم فإن الْكَلَام وارد عَلَى

تحريض رسول الله صلى الله تَعَالَى عليه وسلم عَلَى ما بعث به من التذكير لأنه لما نزلت(فتول

عنهم)حزن رسول الله صلى الله تَعَالَى عليه وسلم فأنزل الله سبحانه وتَعَالَى(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى

تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)أي لا تدع التذكير والموعظة (فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) وحجة للمعاندين فإنك

ما بعثت إلا للدعوة وما خلق الجن والإنس إلا لأن يؤمروا بالْعبَادَة لأنهم مكلفون امتحانًا

وابتلاء قال الله تَعَالَى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أما الإرادة

فكما تعلقت بالْعبَادَة تعلقت بما يخالفها لقَوْله تَعَالَى(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ

وَالْإِنْسِ)ويؤيد هذا التأويل ما روينا عن محيي السنة عن علي رضي الله

تَعَالَى عنه قال (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) إلا لأمرهم أن يعبدون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت