وجه التشنيع هُوَ أن من يستحيل أن يكون له ند كَيْفَ يجعلون له أندادًا وقد عرفت نكتة
إيراد الجمع بغير هذا وقبل إنهم كانت لهم أصنام كثيرة فجمعه نظرًا للواقع وليس بشيء إذ
الأصنام جنس واحد وند واحد، ولو قيل إنه بعض الْمُشْركينَ عبدوا الأصنام وبعضهم عبدوا
ذوي العقول وهم المسيح وعزير والْمَلَائكَة فجمعت انقسام الآحاد للآحاد لم يبعد.
قوله: (ولهذا) أي ولأن عبادة غير الله يستلزم أنه رب واجب بالذات(قال موحد
الجاهلية)والْمُرَاد بالجاهلية الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى وهي زمن الفترة(زيد بن
عمرو بن نفيل)بن رباح بن عبد الله ترك هُوَ وورقة بن نوفل وعبد الله بن جحش
وعثمان بن الحويرث عبادة الأصنام وخرج كل منهم إلَى جانب يطلب الدين الحق فلقي
زيد أحبار أهل الْكتَاب بالشام وسألهم عن العقائد والدين الحق فدلوه عَلَى ملة إبْرَاهيم فدان
بها ولقي النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قبل الوحي. وقيل إنه أوحى إليه ما يحتاج إليه لكماله في نفسه
من غير أن يكون مبعوثًا إلَى غيره نقله الجلال الدواني في أوائل شرح العقائد العضدية
فعلى هذا يكون نبيًا ولا يكون تابعًا لملة إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ ولعدم الجزم بذلك قال
الْمُصَنّف قال موحد الجاهلية وله إشعار في النهي عن أمور الجاهلية منها ما أورده المصنف
وهو برمته كما ذكره ابن عساكر.
قوله: (أَرَبّاً واحدًا) مَفْعُول أدين أي أطيع من دَان له انقاد وأطاع وأدخل الاستفهام
على الْمَفْعُول لأن المنكر استواؤهما لا التدين (أَمْ أَلفُ رَب ... أَدينُ) أي لا استواء بين رب
واحد وبين أرباب متفرقين في الانقياد والإطاعة فَكَيْفَ أترك ربًا واحد وأختار أربابًا متفرقة
فلا يصح في ذلك وأراد بذلك التعريض كقَوْله تَعَالَى: (وما لي لا أعبد الذي فطرني)
الآية. والْمُرَاد بالألف مجرد التكثير لأنه آخر المراتب العددية البسيطة قوله(إذا
تقسَّمت الأمورُ)أي تفرقت روي عَلَى بناء المجهول أي جعل الأمور مقسومة بين الخلق
وروي أَيْضًا عَلَى بناء المعلوم من قولهم قسمهم الدهر فتقسموا أي فرقهم فتفرقوا أي إذا
تفرقت الأمور وفوض اختيار هذا الأمر إلَى اختار ربا واحدًا أم ألف رب أي كَيْفَ أترك ربًا
واحدًا وأختار أربابًا متعددة. كذا نقل عن الطيبي قوله: (تركت اللات والعزى جَميعًا) جواب
إذا واللات صنم كانت لثقيف في الطائف أو لقريش بنخلة والعزى سمرة لغطفان كانوا
يعبدونها والتَّفْصيل سيأتي في سورة النجم وأراد بهما الأصنام جَميعًا؛ إذ شأن الموحد ذلك
وتَخْصيص الذكر بهما إما لشهرتهما أو لعدم مساعدة الوزن بذكر غيرهما (كَذَلكَ يفعل)
الكاف في مثل هنا للعينية أو قصد به الكناية (الرجل البصير) من له بصيرة وإدراك حقائق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: أربًا واحدًا أم ألف رب أدين إذا [تقسَّمت] الأمورُ أي إذا جعل الأمور أقسامًا يؤثر كل
شخص قسما أأختار ربًا أو أربابًا وليس في ظَاهر اللَّفْظ ما يدل عَلَى مختاره ولكن البيت الثاني وهو
قوله: تركت اللات والعزى يدل عَلَى أن مختاره الواحد لأن القليل من المتعدد إذا ترك كان الكثير
أولى وذكر الألف لأنه نهاية مراتب العدد لا أنه مقصود بالذات فهو كقَوْله تَعَالَى:(أَأَرْبَابٌ
مُتَفَرّقُونَ خَيْرٌ أَم اللَّهُ الْوَاحدُ الْقَهَّارُ).