وقدم هذا في سورة الشورى عَلَى التَّفْسير بآلة الوزن به ويجوز أن تكون الباء للتعدية
والأَولى السببية.
قوله: (لتقام به السياسة وتدفع به الأعداء كما قال:(وَأَنْزَلْنَا) الآية)
ويدفع به الأعداء؛ إذ الظلم يفضي إلَى الهرج والمرج وغلبة الأعداء والعدل في كل أمر لا
سيما في الحكومة يؤدي إلَى صلاح الْأَرْض والغلبة عَلَى الأعداء، والْقَوْل أي يدفع الحكام
بالعدل عن النَّاس أعداءهم بأخذ حقوقهم كإقامة الحدود عليهم ضعيف لتَخْصيص العدل
بالحكام مع أن الواجب العموم، وَأَيْضًا تعبير الأعداء لصاحب الحق غير متعارف، وأَيْضًا هذا
لا يلائم قول الْمُصَنّف كما قال: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) الخ. قوله كما قال:
(وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) الخ. إشَارَة إلَى الجامع بينه وبين إنزال الْكتَاب بأن الحديد
وما يتخذ منه سبب نظام العالم بأن يضرب النفوس الناقصة بالآلات المتخذة من الحديد
كالسيف ونحوه إزاحة للشرك والطغيان قهرًا ليصير ذلك بالتدريج اختيارًا أشير إليه بقوله:
(فيه بأس شديد) كما أن الْكتَاب سبب نظام حال المكلفين في الدارين
كما أَشَارَ إلَى مناسبة الميزان بالْكتَاب بأن آلة الوزن يسوى بها الحقوق ويقام به العدل
الناطق بهما الْكتَاب كما نبهنا عليه، وإنما أعيد أنزلنا هنا دون الميزان؛ إذ إنزال الحديد مغاير
لإنزال الْكتَاب كما فهم من التقرير السابق، وأما الميزان فمن تتمة إنزال الْكتَاب كما ألقي
إلى السمع بخلاف الحديد فظهر حسن عطف (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ) عَلَى أنزلنا
الْكتَاب كما اتضح صحة عطف الميزان عَلَى الْكتَاب وأن المناسبة سببية صلاح العالم في
الكل فإن كان فرق بَيْنَهُمَا. وفي الكَشَّاف: نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد
السندان والكلبتان [والميقعة] والمطرقة والإبرة. وروي ومعه المر والمسحاة انتهى. فيكون
الْمَعْنَى وأنزل معهم الحديد بملاحظة قيد معهم فيه، وقد عرفت أن الْإنْزَال مع نبي من
الْأَنْبيَاء عليهم السلام كإنزاله معهم. وعن الحسن رحمه الله تَعَالَى (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ)
خلقناه كقوله: (وأنزل لكم من الأنعام) فحِينَئِذٍ لا يلاحظ قيد
معهم ووجه إعادة أنزلنا حِينَئِذٍ واضح.
قوله: (فإن آلات الحروب متخذة منه) نبه به عَلَى أن معنى (فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ)
فيما يتخذ من الحديد من آلات الحرب بأس الخ. وأن السياسة العامة متوقفة
عليه وكذا قيام العدل بذلك.
قوله: (إذ ما من صنعة إلا والحديد آلتها) إما بالذات أو بالواسطة وإلا لأمكن
المناقشة في الحصر وعطف المنافع عَلَى بأس شديد عطف العام عَلَى الخاص تنبيهًا عَلَى
أشرفية الأول.