فنسب له كالاتصار فإنه يقال في النسبة أنصاري بدون رد إلَى مفرده لكونه علمًا في حكم
المفرد وكذا هنا أو أنه مفرد كما ذهب إليه الراغب، ولذا تردد الْمُصَنّف فيه. وقيل إنه
لاحتمال أن الضم من تغيرات النسب كدهري.
قوله: (مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ ما فرضناها عليهم) جملة مُسْتَأْنَفَة اسْتئْنَافًا بيانيًا مؤكد
لكونهم مبتدعين من عنْد أَنْفُسهمْ أو صفة أخرى لرهبانية.
قوله: (استثناء منقطع أي ولكنهم ابتدعوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ) قدمه لأنه لا يحتاج إلَى
التمحل الآتي ولكونه أنسب بقَوْلُه تَعَالَى: (ابتدعوها) ومصدر الابتداع لا
يتناول الابتغاء، وكذا الرهبانية فحِينَئِذٍ يكون إلا بمعنى لكن عامل في الاسم والخبر كلاهما
مَحْذُوف وإلى هذا أشار بقوله ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فحِينَئِذٍ الذم بقوله:(فما
رعوها)الخ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
صار هذا الاسم وإن كان جمعًا كالعلم فالتحق بأنصاري وأعرابي. قال الرَّاغب: الرَّهْبَةُ والرُّهْبُ:
والترهيب مخافة مع تحرز واضطراب قال عز وجل (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ)
وقال رهبوت خير من رحموت والرهبانية غلو في تحمل الرهبة.
قوله: ما فرضناها عليهم. عن أبي دَاوُود عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال["لا تُشدِّدوا على"
أنفسِكم فيُشَدَّدَ عليكم، فإن قومًا شدَّدُوا على أنفسِهم فشدَّدَ الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصَّوامع والديار"]جمع دير وعن مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه عن جابر قال رسول الله صلى الله"
تَعَالَى عليه وسلم"أما بعد فإن خير الْحَديث كتاب الله وخير الهدْي هدْي مُحَمَّد وشر الأمور"
محدثاتها وكل بدعة ضلالة". قال صاحب جامع الأصول: محدثات الأمور ما لم يكن معروفًا في"
كتاب ولا سنة ولا إجماع. الابتداع إذا كان من الله وحده فهو إخراج الشيء من العدم إلَى
الوجود وهو تكوين الأشياء بعد أن لم تكن فليس ذلك إلا إلَى الله تَعَالَى، فأما الابتداع من
المخلوقين فإن كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيز الذم والإنكار فإن كان واقعًا
تحت عموم ما ندب الله عليه وحضض عليه أو رسوله صلى الله تَعَالَى عليه وسلم فهو في حيز
المدح وإن لم يكن مثاله موجودًا كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف وهذا من الأفعال
المحمودة ولا يجوز ذلك في خلاف ما ورد الشرع به لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جعل له في ذلك
ثوابًا فقال"من سنَّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها"وقال في ضده"من سنَّ سنة"
سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها"وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله تَعَالَى به ورسوله"
ويعضد ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلاة التراويح"نعمة البدعة هذه"لما كانت
من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها. قال محيي الدين النووي رحمه الله
في شرح صحيح مسلم: قال العلماء البدعة خمسة أقسام واجبة ومندوبة ومكروهة ومحرمة
ومباحة. فمن الواجبة تعلم أدلة الْمُتَكَلّمينَ للرد عَلَى الملحدين والمبتدعين وشبه ذلك. ومن
المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والرُّبط وغير ذلك. ومن المباح التبسط في ألوان
الأطعمة وغير ذلك. والحرام والمكروه ظاهران. فعلم أن الْحَديث من العام الْمَخْصُوص يؤيده ما
نقل من لْول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلاة التراويح"نعمة البدعة".