والظهار وإن لم يكن مذكورًا صريحًا لكنه فهم من الْكَلَام لاتفاق الْمُفَسّرينَ عَلَى أن الْمُرَاد
من المجادلة المجادلة في شأن الظهار وحكمه. الَّذينَ مبتدأ خبره مَحْذُوف نحو مخطئون أو
قائلون منكرًا ودليله وهو (ما هن أمهاتهم) قائم مقامه. وقيل (ما هن) خبره وفهم منه أنهم
تجاوزوا الحد.
قوله: (الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي مُشْتَق من الظهر) هذا
أصل في الظهار أشار إليه بقوله مُشْتَق من الظهر وهو العضو المقابل للبطن، ومعنى
الاشْتقَاق الأخذ من أصل، وقد عرفت في بيان اشْتقَاق لفظة الجلال أن الأخذ يجري في
الجوامد أَيْضًا.
قوله: (وألحق به الفقهاء تشبيهها بجزء محرم أنثى) ولذا عرف الظهار بما لا [يتناول]
هذه الصورة وقد بينا التشبيه الْمَذْكُور آنفًا فتذكر. وما ذكره المص مذهب الشَّافعي بجزء
محرم بالْإضَافَة والتخفيف وفتح الميم ما يحرم عليه بنَسبٍ ورضاع أي تشبيه امرأته بجزء
محرم أي بعض منه أي بعض كان هذا مذهب الْمُصَنّف، وما ذكرناه فمذهبنا مذهب الإمام
الأعظم فلا إشكال بأن الْمُرَاد بجزء وعضو يحرم النظر إليه كالبطن والفخذ لما عرفت أنه
مذهب [إمامِنا دون] مذهب الشَّافعي.
قوله: (وفي منكم تهجين لعادتهم فيه) أي تقبيح لها أي ذكر لفظ منكم؛ إذ الظَّاهر
يظاهرون من نسائهم لتقبيح عادة العرب في الجاهلية، فإذا كان ذكره لهذه الفَائدَة فلا مفهوم
المخالفة حتى يكون دليلًا عَلَى أن الظهار لا يصح من الذمي كما ذهب إليه مالك استدلالًا
بقوله منكم؛ إذ الكافر ليس منا، ولا يصح فيه الْقيَاس؛ لأن الظهار جناية يرتفع بالْكَفَّارة والكافر
ليس بأهل لها لكونها عادة يشترط فيها النية فلا تصح منه؛ لأنه لا يقدر عليها عَلَى رأي
الشَّافعي المشترط إيمان الرقبة كذا قيل. وكمال التَّفْصيل في الفقه.
قوله:(فإنه كان من أيمان أهل الجاهلية، وأصل يظاهرون يتظاهرون. وقرأ ابن عامر
وحمزة والكسائي يظَّاهرون من اظَّاهر وعاصم يظاهرون من ظَاهر)فإنه أي الظهار من أيمان
أهل الجاهلية ففعل الْمُؤْمن إياه في غاية القبح.
قوله: (مَا هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ أي عَلَى الْحَقيقَة) مَا هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ. ما نساؤهم أمهاتهم عَلَى
الْحَقيقَة فهو كذب بحت كذا قَالُوا، ويرد عليه أنهم لم يثبتوا لهن الأمومية، وإنما أثبتوا
الحرمة كحرمة الأمهات، فالأَولى ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ. ما نساؤهم مثل أمهاتهم في الحرمة
فالنظم الجليل عَلَى التشبيه البليغ كما يدل عليه قوله الآتي، فإن الزوجة لا تشبه الأم. نعم
قَوْلُه تَعَالَى: (إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم) يلائم ما ذكروه لكنهم لم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وفي منكم تهجين لعادتهم فيه. يعني كان الظَّاهر أن يقال: الذين يظاهرون من نسائهم
لكن أقحم منكم ليدمج فيه تهجين عادة العرب. قال صاحب الانتصاف: استدل به بعضهم عَلَى أنه لا
يصح ظهار الذمي [لقوله] (منكم) وليس بقوي لأنه غير المقصود.