الجمع فإن معناه ما يصلح أن يخاطب سواء كان مفردًا أو جمعًا مذكرًا أو مؤنثًا، لكن
الْمُصَنّف قال في أواخر سورة البقرة: وأحد في معنى الجمع لوقوعه في سياق النفي كأنه لم
يرض بما ذكرناه، وهنا استعمل أحد في معنى الجمع مع عدم وقوعه في سياق النفي، وَأَيْضًا
صرح في التلويح أنه لا يقع في الإيجاب أصلًا. وفي المطول: لا يقع في الإيجاب بدون كل
وهذا الاسْتعْمَال يخالفه فليتأمل، والْمُرَاد بالآخر عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قوله: (لما بَيْنَهُمَا من الاخْتصَاص والثانية إضافة الْفَاعل إلَى الْمَفْعُول) من الاخْتصَاص
أي من الاشتراك في النصرة كما أشار إليه بقوله أي من جندى فبَيْنَهُمَا ملابسة من هذه
الجهة تصح الْإضَافَة بسببها، وعبر بالاخْتصَاص عن تلك الملابسة للمُبَالَغَة ولم يرد
الاخْتصَاص الحقيقي لما ذكرنا من القرينة. قوله والثانية أي إضافة الأنصار إلَى الله تَعَالَى؛ لأن
معنى ناصرين الله بمعنى ناصري دينه أو أوليائه فوضح ما ذكرناه من مخالفة إضافة أنصاري
إضافة الله، ولعل الْإضَافَة إلَى ضمير المتكلم للإشعار بأنه عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ ناصر دين الله
تَعَالَى فأسأل من كان ناصرًا معي.
قوله: (والتَّشْبيه باعْتبَار الْمَعْنَى؛ إذ الْمُرَاد قل لهم كما قال عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ) أي
ظاهره ليس بمقصود وهو تشبيه كون الْمُؤْمنينَ أنصارًا بقول عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ. قوله: إذ
الْمُرَاد قل لهم عَلَى تقدير قل كما مَرَّ فالتشبيه بين الْقَوْلين وإن كان المقول فيهما مغايرًا
في الْجُمْلَة.
قوله:(أو كُونُوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم عيسى مَنْ
أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ)أو كُونُوا أنصار الله فـ (ما) مصدرية وهي مع صلتها ظرف وأصل الكلام
ككون الحواريين أنصارًا وقت قول عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثم حذف الْمَظْرُوف وأقيم الظَّرْف
مقامه، ولم يلتفت المص إلَى الاحتباك كما قيل. والأصل كُونُوا أنصار الله حين قال لكم النَّبيّ
عَلَيْهِ السَّلَامُ (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ) كما كان الحواريون أنصار الله حين قال لهم: مَنْ أَنْصارِي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الكَشَّاف ومعنى مَنْ أَنْصارِي من الأنصار الَّذينَ يختصون بي، ويدل عَلَى الثاني قوله فإن معنى
(نحن أنصار الله) نحن الذين بنصرون اللَّه.
قوله: والتشبيه باعْتبَار المعنى. لما كان ظاهره تشبيه الكون بالْقَوْل وهو غير مناسب بحسب الظَّاهر
حمل التشبيه عَلَى الْمَعْنَى فما له عَلَى ما قرر إما تشبيه الْقَوْل بالْقَوْل أو تشبيه الكون بالكون.
قوله: والحواريون أصفياؤه وهم أول من آمن به من الحوار وحواري الرجل صفيته وخلصائه
من الحوار وهو البياض الخالص. قال الزَّمَخْشَريُّ: [والحوّارى:] الدرمك. وهو نقاوة الدقيق الذي ليس فيها
نخالة. قال الزَّجَّاج: الحواريون هم الَّذينَ أخلصوا ونقوا من كل عيب ولذلك قيل: الدقيق الحواري
لأنه ينفي من لباب البر وخالصه وتأويله في النَّاس إنه إذا رجع في اختاره مرة بعد أخرى وجد نقيًّا
من العيوب من حار يجور وهو الرجوع والترجيع. وقال الراغب: إنما سموا حواريين لأنهم كانوا
[يطهرون] تفوس النَّاس بإفادتهم الدِّين والعلم. تمت السُّورَة بعون الله وحسن توفيقه. الْحَمْدُ للَّه عَلَى
توفيق الإتمام. وعلى رسوله أفضل السلام. فالآن أشرع مستعينًا بالله فيما في سورة الْجُمُعَةِ.