المشبهة بالتراخي في الزمان فإن (ثم) في قَوْله تَعَالَى ثم كان للتراخي الرتبي فإن
اسم كان ضمير راجع إلَى فاعل (فَلَا اقْتَحَمَ) وهو الْإنْسَان الكافر قوله:(فك
رقبة)إلَى قَوْله: (ثم كان) تفسير للعقبة والترتيب الظاهري يوجب تقديم الإيمان
عليهما، لكن ثم هنا للتراخي الرتبي مَجَازًا.
قوله: (لا للتراخي في الوقت فإنه يخالف ظَاهر قَوْلُه تَعَالَى: (والْأَرْض بعد ذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: فإنه يخالف ظَاهر قَوْلُه تَعَالَى: إنما قال ظَاهر قوله بناء عَلَى احتمال كون (دحاها)
مستأنفًا عَلَى ما أشار إليه بقوله إلا أن يستأنف بـ (دحاها) وتحقيق الْكَلَام في هذا
المحل أن الآيات النازلة في هذا المسمى في ثلاث سور. الأولى ما نحن فيه وهو قَوْلُه تَعَالَى:(هُوَ
الَّذي خَلَقَ لَكُمْ مَا في الْأَرْض جَميعًا ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ)
والثانية في سورة حم السجدة وهي قَوْلُه تَعَالَى (قُلْ أَئنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالَّذي خَلَقَ الْأَرْضَ في
يَوْمَيْن وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلكَ رَبُّ الْعَالَمينَ (9) وَجَعَلَ فيهَا رَوَاسيَ منْ فَوْقهَا وَبَارَكَ فيهَا وَقَدَّرَ فيهَا
أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَة أَيَّامٍ سَوَاءً للسَّائلينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاء وَهيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَللْأَرْض ائْتيَا طَوْعًا
أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائعينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ في يَوْمَيْن) والثالثة في قوله
تَعَالَى في سورة النازعات (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم السَّمَاءُ بَنَاهَا(27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا
وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلكَ دَحَاهَا (30) . والآية الأولى تدل عَلَى أن خلق
ما في الْأَرْض قبل خلق السماء، وذلك يستلزم أن يكون خلق الْأَرْض أَيْضًا قبل السماء وهو واضح
والثانية تدل عَلَى أن الْأَرْض وما فيها خلقها في أربعة أيام، ثم استوى إلَى السماء فقضاهن سبع
سماوات فهو يوافق الأولى في ذلك الْمَعْنَى، والثالثة تدل عَلَى أن الله تَعَالَى بنى السماء ورفع سمكها
فسواها وأظلم ليلها وأبرز شمسها، ثم بعد ذلك دحا الْأَرْض، وهي عَلَى خلاف الأولين في ذلك
الْمَعْنَى فالتلفيق بينها وبين الأوليين بأن يقال جرم الْأَرْض تقدم خلقه خلق السَّمَاوَات لما روي عن
الحسن خلق اللَّه الْأَرْض في مَوْضع ليست المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق لها ثم أصعد
الدخان وخلق منه السَّمَاوَات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منه الْأَرْض فذلك قوله:(كَانَتَا
رَتْقًا)وهو الالتزاق ورده الإمام بأن الْأَرْض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن
دحوها، فإذا كان الدحو متأخّرًا عن خلق السماء كان خلقها أَيْضًا كَذَلكَ، وإذا كان لم يندفع التناقض
ورد بعضهم التأييد بما روي عن الحسن بأن الآية الثانية تدل عَلَى تقديم الإيجاد والدحو معًا عَلَى
خلق السماء فإنه قال فيها(وَجَعَلَ فيهَا رَوَاسيَ منْ فَوْقهَا وَبَارَكَ فيهَا وَقَدَّرَ فيهَا أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَة
أَيَّامٍ)ومعلوم أن ذلك لا يكون إلا بعد الدحو. قال الفاضل أكمل الدين وأجاب
شيخي العلامة عن رد الإمام بأن امتناع انفكاك خلقها عن دحوها ممنوع لجواز أن يخلع الجسيم
الصغير مقدارًا صغيرًا ويقبل مقدارًا كَبيرًا بالتخلخل وبه يندفع ألبتة ذلك ودفع التناقض بجعل الخلق
بمعنى التقدير. والْمَعْنَى قدر لكم ما في الْأَرْض جَميعًا ثم خلق السَّمَاوَات الخ. وسواهن، وهو سهل
مأخذًا مما ذكر ومنهم من دفعه بأن قوله (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلكَ دَحَاهَا) يقتضي
تقديم خلق السماء عَلَى دحو الْأَرْض، ولا يقتضي تقديم تسوية السماء عَلَى خلق الْأَرْض فلا تناقض
ورد الإمام بأن قوله: (أَم السَّمَاءُ بَنَاهَا(27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا). يقتضي أن
يكون خلق الماء وتسويتها مقدمين عَلَى دحو الْأَرْض، لكن دحو الْأَرْض ملازم لخلق ذات الْأَرْض