الطور) فحِينَئِذٍ يكون الوعد بمعنى العهد؛ إذ الوعد لا يكون من البشر فإن اللَّه تَعَالَى هو
المنفرد بالوعد والوعيد، وأما العهد فيكون من البشر أَيْضًا هذا خلاصة ما نقله صاحب
اللباب عن أبي عبيدة وغيره، وقد سبق أن الأحسن حمل المفاعلة عَلَى الثلاثي لما ذكر
ولتكون القراءتان متحدتين معنى فيكون ليلة مَفْعُولًا به بتقدير مضاف أي وعدنا مُوسَى تمام
أربعين ولا يجوز أن ينتصب عَلَى الظَّرْف؛ لأن الوعد لا يقع في الأربعين إلا تجوزا فيكون
مآله كونه مَفْعُولًا به، ولو قيل إنه من قبيل رميت الصيد في الحرم لم يبعد؛ إذ الموعود وهو
الوحي به كما أشار إليه الْمُصَنّف وقع فيه. قال الْمُصَنّف في أوائل سورة الأنعام ويكفي
لصحة الظرفية كون المعلوم فيهما أي في السَّمَاوَات والْأَرْض فكما صح تعلق في السَّمَاوَات
والْأَرْض بـ يعلم باعْتبَار كون المعلوم فيهما صح تعلق أربعين ليلة بـ وعدنا باعْتبَار كون الوحي
فيها، والظَّاهر أنه لا فرق في تلك الصحة بين ظرف المكان وظرف الزمان، وأما ما أوهمه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
الْفَاعلين في صيغة فاعل ذكر صاحب الكَشَّاف في سورة الأعراف أقوالًا: إن المناجاة كانت في
العشر الأخير من أربعين أو بعد انقضاء أربعين أو في كلها أو في أول الأربعين وكَيْفَ ما فسر يكون
في ظَاهر الآية إشكال. وقد ذكره صاحب التقريب وأجاب عنه. أما تقرير الإشكال فهو أن أربعين إما
أن تنصب عَلَى الظرفية أو عَلَى أنه مَفْعُول به لظهور إن حمل نصبه عَلَى غيرهما من المنصوبات
بعيد، والأول ممتنع لأن المواعدة لم تكن في أربعين، وكذا الثاني؛ لأن المواعدة إنما تتعلق بالأحداث
والْمَعَاني لا بنفس [الجثث] والأزمنة ولا يجوز أن يقدر مضاف لأنه لو قدر إما أن يقدر الْمَذْكُورَان
وهما الوحي والمجيء وهو ممتنع لأن تقدر مضافين إلَى شيء واحد حذفا من اللَّفْظ غير معهود في
العربية بخلاف ما لو كان ملفوظين نحو بين دواعي وجبهة الأسد وأن يقدر أمر واحد منهما أو غيره
والأول أَيْضًا ممتنع لأن أحدهما غير مواعد من الطرفين بل كلاهما، والثاني غير جائز لأن المنقول
عن الْمُفَسّرينَ ذانك الأمران، عَلَى أن المواعدة تقتضي شيئين هذا حاصل ما ذكره في وجه الإشكال.
وقال في وجه صحته إنه يقدر مضاف وهو أمر واحد يفك إلَى مَعْنَيَيْن ذكرهما أهل تفسير لأن
غرضهم بيان الْمَعْنَى وأن المقصود من كل طرف هذا لا بيان الإعراب وذلك الأمر الواحد المفكوك
إلى المَعْنَيَيْن الْمَذْكُورين مثل ملاقاة مثلًا لكن اللقاء الموعود به من الله تَعَالَى لأجل الوحي ومن
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لأجل استماعه. ثم قال ويجوز أن يفك واعدنا إلَى فعلين فجاز إضمار المَعْنَيَيْن
المنقولين من أهل التَّفْسير كأنه قيل وعدنا نحن وحي أربعين ووعد مُوسَى مجيء أربعين فواعد
وإن كان واحدًا لفظًا لكنه متعدد، ونظيره بايع الزيدان عمرًا فإنه يؤول الْمَعْنَى إلَى باع زيد من عمرو
وباع صاحبه منه؛ لأن المفاعلة صدرت منهما دفعة واحدة فلا بد من التفكيك. هذا وأقول محصول
كلام صاحب التقريب في الْجَوَاب إن أربعين منتصب عَلَى أنه مَفْعُول به لـ واعدنا تجوزًا والْمَفْعُول به
في الْحَقيقَة الملاقاة الْمُضَافة إلَى أربعين عَلَى الاتساع إجراء للزمان مجرى الْمَفْعُول به والتقدير وإذ
واعدنا مُوسَى ملاقاة أربعين فالْإضَافَة فيه كالْإضَافَة في (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وفي قوله يا
سارق الليلة أهل الدار، لكن اللقاء من الله لأجل الوحي، ومن مُوسَى لأجل الاستماع اللازم للمجيء
فيكون هذا التقدير موافقًا لما فسر به المفسرون في المآل، ولا يخفى ما في من [التكلف] ؛ إذ فيه ارْتكَاب
للتجوز في لفظ أربعين مرتين مرة في إضافة المصدر المقدر إليه عَلَى وجه الاتساع، وأخرى في تعليق
فعل المواعدة به تعليقه بالْمَفْعُول به مع ما فيه من الحذف والخروج عن الأصل.