قوله: (وإنما صرفه) جواب سؤال مقدر عَلَى تقدير العلمية أي أن فيه علتين العلمية
والتأنيث، عَلَى كون الْمُرَاد به العلم عَلَى والمصر المعين، والظَّاهر عدم الصرف فَلمَ صُرف
أجاب بجوابين الأول أنه صرف (لسكون وسطه) لحصول الخفة بسببه كهند كما تقرر في
موضعه والثاني (أو عَلَى تأويل البلد) فلا تأنيث حِينَئِذٍ وإن جعل اسم جنس فلا سبب حِينَئِذٍ
(ويؤيده) أي يؤيد أنه أراد به العلم، وإنَّمَا صرفه لما ذكر(أنه غير منون في مصحف ابن
مسعود)حَيْثُ لم يكتب الألف بعد الراء الدال عَلَى التَّنْوين في حالة النصب وما وقع في
مصحف ابن مسعود - رضي الله تَعَالَى عنه - وإن لم يكن متواترًا لكنه لا يتقاعد عن التأييد.
قوله: (وقيل أصله مصراييم) بياءين عَلَى وزن إسْرَائيل اسم أعجمي لياءيه وسمي به
المبني كما قيل في مدين وهو بناه مدين بن إبْرَاهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ فسمي باسمه (فعرب) أي
جعل مستعملًا في لغة العرب بحذف آخره، وإنَّمَا صرف حِينَئِذٍ لعدم الاعتداد بالعجمة
لوجود التغيير والتصرف فيه ويخدشه أنه غير منصرف في مواضع كثيرة من الْقُرْآن فالأحسن
أن يقال هَاهُنَا إنه أراد به غير معين فلا يكون علمًا فلا تأثير للعجمة بدون العلمية، وما وقع
غير منصرف فالْمُرَاد به المعين فيكون علمًا حال نقله إلَى العرب فيؤثر العجمة مع العلمية
فيكون غير منصرف و، مرضه لأن التعريب خلاف الأصل، فالأولى كونه عربيًا أصله الحد
الْمَذْكُور كما في الصحاح والمصر الحد والحاجز بين الشيئين وأنشد:
وجاء عَلَى الشمس مصرًا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا
وما هُوَ معرب لا يتعرض له أرباب اللغة لبيانه.
قوله: (أحيطت بهم) والإحاطة الأخذ بجوانب الشيء واشتماله عليه قيل وكان
الظَّاهر أحاطت بدل أحيطت لأن الذلة محيطة بهم لا محاطة، لكن المص قصد بهذا إما
القلب فمعنى أحيطت بهم حِينَئِذٍ (إحاطة القبة بمن ضربت عليهم) وأحيطوا بها كَذَلكَ لنكتة
إما لفظًا فمطابقة المفسر وإما معنى فالتَّنْبيه عَلَى أن المُسْتَعَار له حَقيقَة التثبيت لا الإحاطة
كَمَا صَرَّحَ به في المفتاح وذا لا يتفاوت باعْتبَار كون الذلة محيطة أو محاطة أو للتنبيه عَلَى
أنهم بلغوا في اتصاف الذلة والمسكنة مبلغًا بحَيْثُ يكونون محيطين بالذلة والذلة محاطة
بهم ولتضمنه هذا الاعتبار اللطيف حسن هذا القلب. وقيل الإحاطة قد تكون متعدية كما
تكون لازمة، والظَّاهر أن ما ذكره المص حَقيقَة أو بتضمين الجعل فيتعدى إلَى الذلة بنفسه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: وإنما صرفه أي، وإنَّمَا صرفه مع وجود علتي منع الصرف وهما التأنيث والعلمية
لسكون وسطه نحو هند ودعد إذا كانا علما يعني عَلَى تقدير كونه علمًا وإن أريد به التعريف
والتأنيث فصرفه لسكون الوسط وإن أريد به البلد فصرفه لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف
فقط وجوز صاحب الكَشَّاف أن يكون صرفه لاحتمال أن يراد به مصر من الأمصار فحِينَئِذٍ لا يكون
فيه إلا سبب واحد وهو التأنيث. قال بعض شراح الكَشَّاف هذا الاحتمال أقوى عند كثير من
الْمُفَسّرينَ لقَوْله تَعَالَى (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) وإذا أوجب
عليهم دخول تلك الْأَرْض فَكَيْفَ يجوز دخول مصر فرعون.