قوله: (فأمرهم الله تَعَالَى أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها [ليحيا] فيخبر بقاتله) الفاء فصيحة
واجتهد مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ في أن يعرف القاتل ولم يظهر وتضرع إلَى ربه أن يبينه فأمرهم الله
تَعَالَى الخ. ولم يخبر أولًا بأن قاتله فلان لحكمة ظهرت فيما سيجيء إن شاء الله تَعَالَى:
قوله: (أي مكان هزؤا، أو أهله ومهزوءا بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاسْتهْزَاء) لفظ
اتخذ يتعدى إلَى مَفْعُولَيْن إذا كان بمعنى الجعل والتصيير هما في الأصل مبتدأ وخبر فلما
وقع هَاهُنَا المصدر خبرًا عن الجماعة والذوات احتيج إلَى التأويل إما بتقدير الْمُضَاف
وإليه إشار بقوله أي مكان هزؤاً وإما بجعل المصدر بمعنى الْمَفْعُول وإليه أشار بقوله مهزوءًا
بنا. قوله بنا نائب فاعل لمهزو لأن الهزء لازم ثم أَشَارَ إلَى أنه يجوز إبقاؤه عَلَى حاله
مُبَالَغَة في الوصف بالهزء كأنهم تجسموا بالهزء، وهذا هُوَ الراجح حتى جعل عبد القاهر
تأويل إقبال وإدبار في قوله الخنساء، وإنما هي إقبال وإدبار مرذولًا لأنه جعل البيت
كالمغسول والمطروح في الْأَرْض فمراد المص أنه لو لم يقصد المُبَالَغَة لكان حق العبارة إما
مكان هزؤا أو مهزوءًا بنا فجعل الذات نفس الْمَعْنَى أبلغ نحو رجل عدل ويرجع مكان هزء
إلى المُبَالَغَة فيه بطَريق الكناية قوله (استبعادًا لما قاله واستخفافا به) تعليل لقَالُوا وإشَارَة إلَى
أن الاسْتفْهَام للاستبعاد وهو يستلزم الاستخفاف. والْمَعْنَى أتسخر بنا فإن ما قلته مستبعد
وهذا أول أمرهم، ولما علموا أن هذا جد وعزيمة انقادوا له، وأما قول البعض لا يخفى أن
هذا أي كونهم الهزء نفسه كذب منزه عنه الْقُرْآن فكذب صريح؛ إذ حمل المصدر عَلَى
الذوات عند إرادة المُبَالَغَة شائع مَشْهُور بينهم حتى أن الشيخ عبد القاهر لم يرض بالتأويل
كما مَرَّ الإشَارَة إليه آنفًا وللزم عَلَى زعم القائل كون الاسْتعَارَة بل الْمَجَاز كله كذب، وهذا
من العجائب التي تحيرت فيها العقول والفحول.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
القصة أنه كان رجل موسر قتله بنو عمه ليرثوه. وقيل الْمَعْنَى قتل ابن الشيخ بنو أخي الشيخ ليرثوا
الشيخ إذا مات ويدفعه قصة لم يورث قاتل بعد ذلك. وقوله وإنهم جاءوا يطالبون بديته.
قوله: مكان هزؤ الهزء مصدر فلا يصلح أن يقع مَفْعُولًا ثانيًا أتتخد لأنه عَلَى تأويل خبر
المبتدأ فقدر مضاف وهو إما مكان أو أهل أو بجعل الهزء بمعنى المهزوء به تسمية للمَفْعُول به
بالمصدر كما في قَوْله تَعَالَى (أُحلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْر) بمعنى مصيده جعل الْمَعْنَى
نفس الذات نحو رجل عدل للمُبَالَغَة.
قوله: استبعادا لما قاله مَفْعُول له أي قَالُوا (أَتَتَّخذُنَا هُزُوًا) استبعادًا أي لما
قاله مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وهو قوله (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ) الآية.