بين الأحجار الْمَذْكُورة فإن مطلق التأثر مشترك بين التأثرات الْمَخْصُوصة الْمَذْكُورة في النظم
الكريم ، ومن هذا أسقط أولا لفظة من ثم قال فإن منها كذا الخ. لكن هذا البيان ينتظم كون
الْمَعْنَى أنها في القساوة مثل الحجارة أو الْقُلُوب زائدة عليها في القسوة؛ لأن من الحجارة تتأثر
دون الْقُلُوب فهي زائدة عليها، وأما عَلَى كون الْمَعْنَى إنها مثلها أو مثل ما هُوَ أشد منها فكون
(وَإنَّ منَ الْحجَارَة) تعليلًا للتفضيل مشكل لأن هذه الْجُمْلَة لا تفيد كون الْقُلُوب مشابهة بما
هو أشد قسوة من الحجارة كالحديد فلا يكون تعليلًا لذلك، وَأَيْضًا لا إشعار فيه بأن مثل
الحديد أشد من الحجارة قساوة فالصواب الاكتفاء بالوجه الأول فيما سبق .
قوله: (فإن منها ما ينشق فينبع منه الماء ويتفجر منه الأنهار) قوله ينبع فيه رمز إلَى أن
الْمُرَاد من قوله فيخرج منه الماء لكن لا حاجة إليه ؛ إذ الخروج هُوَ الحركة من الداخل إلَى
الخارج وهو متحقق هنا، والْقَوْل بأن الْمُرَاد أن خروجه قليلًا بحَيْثُ يصير منبوعًا قليل
الجدوى، إلا أن يقال إنه حمله عَلَى العيون ليحسن التقابل بالأنهار وبين أولًا حال تشقق
الْأَرْض مع أن تفجر الأنهار معها مقدم ذكرًا في النظم تنبيهًا عَلَى أن الواو لمطلق الجمع لا
تقتضي الترتيب، فالظَّاهر أن تفجر الأنهار منها بسَبَب تشقق الْأَرْض فتفجرها مترتب عليه كما
نبه عليه بقوله فينبع منه الماء وينفجر منه، وأما تقديمه في النظم الجليل فلكثرة الانتفاع
بالأنهار بخلاف العيون ويؤيده ما قيل من أن قوله ويتفجر عطف عَلَى ينبع ولذا ترك منها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: تعليل للتفضيل جعل جملة (وَإنَّ منَ الْحجَارَة) الآية. اعتراضًا واردًا
لتعليل تفضيل قسوة قلوبهم عَلَى قسوة الحجارة وصاحب الكَشَّاف جعل هذه الْجُمْلَة اعتراضًا ورد
بيانًا لفضل قلوبهم عَلَى الحجارة في شدة القسوة وتقرير لقوله (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) حيث قال(وَإنَّ منَ
الْحجَارَة)بيان لفضل قلوبهم عَلَى الحجارة في شدة القسوة وتقرير لقوله (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) . والْمَعْنَى
أن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يندفق منها الماء الكثير الغزير ومنها ما ينشق اشْتقَاقًا بالطول
أو بالعرض فينبع منها الماء أَيْضًا اعترض عليه بأنه يلزم عطف البيان عَلَى المبين وهو خلاف
الأصل، فالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنها اسْتئْنَافية، والْجُمْلَة كما هي مذيلة للتشبيه كقَوْله تَعَالَى:(وَاتَّبَعَ ملَّةَ
إبْرَاهيمَ حَنيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إبْرَاهيمَ خَليلًا)والدليل عَلَى كونها مذيلة قوله وتقرير لقوله
(أَوْ أَشَدُّ) لأن المذيلة كالمعترضة مؤكدة كما قال في الكَشَّاف في تفسير سورة الأنعام إن التَّأْكيد أَيْضًا
نوع بيان، فعلى هذا التنكير في قوله بيان وتقرير للتنويع فيكون الْمُرَاد البيان الذي يحصل بالتذييل
فإن الْجُمْلَة المذيلة قد تفيد ما أفادته المعترضة من التأكيد والتقرير. قال بعض الشارحين قَوْلُه تَعَالَى:
(وَإنَّ منَ الْحجَارَة) عَلَى ما فسره صاحب الكَشَّاف فيه معنى التتميم دون الترقي من
الأدنى إلَى الأعلى ليكون عَلَى وزان قوله (الرحمن الرحيم) إذ لو أريد الترقي لقيل
(وَإنَّ منْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ منْهُ الْمَاءُ) (وَإنَّ [منَ الْحجَارَة] لَمَا يَتَفَجَّرُ منْهُ الْأَنْهَارُ) وفائدته استيعاب جميع
الانفعالات التي عَلَى خلاف طبيعة هذا الجوهر وهو أبلغ من الترقي. أقول: هذا المعنى مُسْتَفَاد من
قوله وتقرير فليتأمل. ثم قال وقوله (وَإنَّ منْهَا لَمَا يَهْبطُ) تتميم للتتميم .