فإنه كفر عامله؛ ولهذا قال المحقق التفتازاني: علم السحر مزاولة النفوس الخبيثة لأقوال وأفعال
تترتب عليها أمور خارقة للعادات، ولا يروى خلاف في كون العمل به كفرًا وعدَّه نوعًا من
الكبائر مغاير للاشتراك لا ينافي ذلك؛ لأن الكفر أعم والإشراك نوع منه لكن تسامح ووضع
مزاولة النفس مَوْضع ما يحصل به تلك المزاولة، والْمُرَاد علم السحر علم يترتب عليه مزاولة
النفس الخبيثة والقرينة عليه. قوله ولا خلاف في كون العمل به كفرًا، ومراده به السحر الذي هو
فيه رد ما لزم من شرط الإيمان، أشار إليه بقوله مزاولة النفس الخبيثة، ولا يريد أن السحر كفر
على الإطلاق ؛ إذ لم يقل به أحد، فمن قال إنه كفر عَلَى الإطلاق كالإمام الغزالي، وظَاهر كلام
الْمُصَنّف اعتبر في مفهومه التقرب إلَى الشَّيْطَان بالتَّكَلُّم بالكفريات والعمل المؤدي إلَى الكفر.
ومن اختار التَّفْصيل كالإمام أبي منصور ومن تبعه لم يأخذ في تعريف السحر وفي مفهومه ما
ينبئ بالكفر، فالنزاع لفظي لا معنوي، فالاعتراض (ما) عَلَى أحد الْقَوْلين بالْقَوْل الآخر ليس عَلَى
ما يَنْبَغي . (ولكنَّ الشَّيَاطين كَفَرُوا) والواو عاطفة للجملة الاستدراكية عَلَى ما قبلها وهو
قوله: (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ) وكون المخففة للعطف إنما هُوَ عند عدم الواو وكون ما بعدها
مفردًا. وجه الاستدراك أنه لما نفي الكفر بمعنى السحر عن سليمان عَلَيْهِ السَّلَامُ وكانت
الشَّيَاطين قد سُخرت لسليمان عَلَيْهِ السَّلَامُ يستعملهم فيما يشاء توهم أن الشَّيَاطين لا
يكفرون أي لا يسحرون أَيْضًا ؛ إذ هم أتباع لهم فاستدرك بأنهم كَفَرُوا باسْتعْمَالهم السحر
وليس الْمُرَاد إثبات الكفر لأن كفرهم معلوم. فإن قيل فما معنى كفرهم بالسحر مع أنهم
كافرون قبل العمل بالسحر؟ قلنا إن السحر الذي ارتكبوه كفر يكفر عامله لو لم يكن كافرًا
قبله، أو تضاعف كفرهم به أو للتنبيه عَلَى أن من عمل بالسحر الذي عمل الشَّيَاطين يكون
كافرًا (باسْتعْمَاله، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ولكن بالتخفيف ورفع الشَّيَاطين) .
قوله: (إغواء وإضلالا) لا إرشادًا وإيقاظًا كما فعله هاروت وماروت؛ لأن تعليمه
ليُعرف فيتجنب أو ليدفع الضرر عن نفسه فلا يوجب الكفر، وسيأتي توضيحه .
قوله: (والْجُمْلَة حال من الضَّمير) يجري مجرى علة كفرهم بالسحر، ويحتمل
الاسْتئْنَاف وإسناد التعليم إليهم لكونهم مباشرين له، وتَقْييده بالنَّاس للبيان أنهم زادوهم رهقًا.
ولام السحر للعهد إن اعتبر في مفهومه الإطلاق، وإلا فللجنس واللام في النَّاس أَيْضًا إما
للعهد الخارجي المفهوم من قوله: (واتبعوا) الآية. أو للجنس باعْتبَار
تحققه في ضمن بعض فرد .
قوله: (والْمُرَاد بالسحر) أي السحر الذي حكم أنه كفر (ما يستعان) أي ملكة ما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: (والْمُرَاد بالسحر ما يستعان في تحصله الخ. قال أهل السنة للسحر حقيقة يعبر عنها