سؤال مقدر بأنه كَيْفَ كان الخبر جمعًا مع أن الاسم مفرد؟ فأجاب بأن توحيد الألم باعْتبَار
لفظة من فإن لفظه مفرد وجمع الخبر باعْتبَار معناه فإنه من ألفاظ العموم وإن لم يكن
محكمًا في العموم إذا كان موصولًا أو مَوْصُوفًا بخلاف كونه شرطًا أو استفهامًا فإنه حِينَئِذٍ
عام قطعًا.
قوله: (إشارة إلَى الأماني الْمَذْكُورة) أراد بذلك بيان وجه كون اسم الإشَارَة جمعًا مع
أن الظَّاهر أن المشار إليه قوله (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) وبين أن المشار إليه
متعدد كما عدده ولم يرض إلَى الإشَارَة إلَى قَوْله: (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) باعْتبَار أنه أماني هي
دخول الْيَهُود وعدم دخول غيرهم ودخول النصارى الجنة وعدم دخول غيرهم؛ لأنه تمن
واحد غايته متعدد متعلقه باعْتبَار الحصر، وأَيْضًا اعتبار تعدده باعْتبَار تعدد صاحبه تدقيق
فلسفي لا يعبأ به في الشرع القويم، والظَّاهر أن هذا الحمل يشبه حمل الشيء عَلَى نفسه
مثل قوله: شعري شعري؛ إذ اللام في الأماني إما عوض عن الْمُضَاف إليه أو للعهد فعلى
التقديرين يكون الْمَعْنَى أمانيهم الْمَذْكُورة أمانيهم فحِينَئِذٍ يأول بأن أمانيهم أمانيهم المُبَالَغَة في
القبح إلَى نهايته. قيل ويرده قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) فإن الأولين منها ليسا مما
يطلب فيه البرهان ولا مما يحتمل الصدق والكذب انتهى. هذا وإن سلم في الثاني لكن في
الأول ممنوع؛ إذ عدم تنزيل الخير منْ رَبّهمْ ادعاء منهم كما لا يخفى. نعم مودة ذلك ليست
من قبيل الدعاوى لكن الْكَلَام ليس فيها كما صرح وقال وهي أن لا ينزل عَلَى الْمُؤْمنينَ الخ.
ولم يقل وهي مودة أن لا ينزل الخ. فكان المعترض ذهل عنه عَلَى أن طلب البرهان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
خبره لاعْتبَار لفظه ومعناه ومقتضى الظَّاهر أن يقال إلا من كان يهوديًا أو نصرانيًا أو يقال إلا من
كانوا هُودًا أَوْ نَصَارَى، وهذا مثل قراءة الحسن (إلا من هُوَ صالو الجحيم) وقَوْلُه تَعَالَى(فَإنَّ لَهُ نَارَ
جَهَنَّمَ خَالدينَ فيهَا).
قوله: إشَارَة إلَى الأماني الْمَذْكُورة هذا جواب شبهة قد يرد عَلَى هذا وهي أن تلك إن أشير
بها إلَى قَوْلهم (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) وهي أمنية واحدة
فَكَيْفَ قيل أمانيهم عَلَى الجمع؟ فأجيب بأن كلمة تلك إشَارَة إلَى الأماني الْمَذْكُورة والإتيان بتلك
الموضوعة للإشَارَة إلَى البعيد، إما لأن بعض تلك الأماني بعيد الذكر في الآيات السابقة أو لتحقير
شأن أمانيهم ثم إن هاهنا وجوهًا أُخر في الْجَوَاب أحدها: أن تلك الأمنية واحدة إلا أنها بلغت في
الزّيَادَة والشدة إلَى حيث تعد أماني كما قَالُوا [مِعًا جِيَاعَا] جمعت إشعارًا بزيادة جوعه عَلَى نظرائه
وثانيها أنها ترددت في نفوسهم وتكررت فصارت لتكررها كأنها أماني. وثالثها أن الضَّمير من
أمانيهم يرجع إلَى الْيَهُود والنصارى فلهَؤُلَاء أمنية ولـ أُولَئكَ أمنية. ورابعها أنهم لما قَالُوا(لَنْ يَدْخُلَ
الْجَنَّةَ إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى)فقد علم من الحصر أنهم تمنوا دخول الجنة وعدم دخول
غيرهم فهي أماني حَقيقَة هكذا قَالُوا. أقول: هذا الرابع مبني عَلَى أن أقل الجمع اثنان وما في هذه
الْوُجُوه من التَّكَلُّف غير خفي عن اللبيب.