الجسد والحمد بمنزلة رأسه كما أوضحه لكن بعد كونه بمنزلة الكل والحمد بمنزلة الجزء
فحِينَئِذٍ يكون اسْتعَارَة مكنية وتخييلية شبه الشكر في النفس بالجسد في القوام بأشياء كثيرة
فهذا التشبيه إشَارَة بالكناية وإثبات الرأس له الذي هُوَ من لوازم المشبه به تخييلية هذا
مقتضى كلامه، ولا يخفى أن فيه تكلفًا فإن هذا يناسب كون الشكر كلا والحمد جزءًا حَقيقَة
وهذا بناء عَلَى الادعاء كما أشرنا، فالأولى أن يجعل الرأس مُسْتَعَارًا لما هُوَ عمدة وأصل
للشيء اسْتعَارَة مصرحة كما أشار إليه الْمُصَنّف بقوله والعمدة فيه عطف عليه عطف تفسير.
قوله: (أشيع للنعمة) أي أكثر إشاعة وإظهارًا من سائر شعبه وهو أفعل التَّفْضيل من
الأفعال وهو مذهب سيبوبه ومختار الكوفيين وعليه الرضي لكثرة اسْتعْمَاله مثل أبلغ من
المُبَالَغَة والْجُمْهُور عَلَى أنه نادر موقوف عَلَى السماع. وقيل معناه أكثر شيوعًا وتناولًا؛ إذ ما
نعمة إلا ويمكن التَّعْبير عنها والتحميد بإزائها بخلاف العمل والاعتقاد وفيه نظر لأنه غير
مسلم في نفسه؛ إذ الاعتقاد أكثر تناولًا منه مع أنه لا يلائم قوله لخفاء الاعتقاد الخ. فالأول
هو الْمُنَاسب للمقام وكفى بسيبَوَيْه قدوة لنا قول أشيع خبر بعد خبر أو الأول حال أو صفة
والثاني جر (وأدل) .
قوله: (عَلَى مكانها) أي وجودها مصدر ميمي من الكون بمعنى الوجود قوله
للنعمة أي التعظيم الناشئ من النعمة، وإنما اختاره تنبيهًا عَلَى أن الحمد أي الثناء باللسان
يلزم أن يكون في مقابلة النعمة إذا اعتبر فردًا من الشكر وإن لم يلزم أن يكون في مقابلتها
إذا أخذ حمدا لغويًا.
قوله: (لخفاء الاعتقاد) فكونه فعلًا يشعر عن تعظيم المنعم قد مَرَّ تَوضيحُهُ لكن هذا
بالنسبة إلَى المخلوق، وأما بالنسبة إلَى الخالق فهو غير تام والحمد والشكر لا يكونان إلا
للخالق حَقيقَة فحِينَئِذٍ يكون الشكر بالقلب أساس سائر الشكر وموقوفا عليه لصحة ما سواه
كما قرر في موضعه، فالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إن الحمد أي الثناء باللسان لدلالته عَلَى الاعتقاد
بالجنان جعل رأس الشكر؛ إذ به يظهر اعتقاده الذي هُوَ العمدة في التعبد وبه يحصل سعادة
الدارين والنجاة من عقوبة الكونين ولذا قال عَلَيْهِ السَّلَامُ"الحمد رأس الشكر". لدلالته
على أساس الشكر؛ إذ من اعتقد ولم يقر مع تمكنه من الإقرار فاعتقاده هدر عند بعض
الأئمة ولم ينفعه في الْآخرَة وإن ذهب المحققون إلَى اعتباره في بعثه عند ربه مع شرط فيه
سيجيء توضيحه بعونه تَعَالَى في قَوْله تَعَالَى: (الَّذينَ يُؤْمنُونَ بالْغَيْب) الآية.