المص لم يرض به لعدم الداعي إلَى ذلك توطين النفس ؛ إذ المكروه إذا وقع بعد العلم به لا
يكون هائلًا كما إذا وقع بغتة فإنه أصعب عَلَى النفس وأشد تأثيرا، وهذا أَيْضًا يؤيد رجحان
ما اختاره المص عَلَى ما قيل إنها نزلت بعد تحويل الْقبْلَة، وارتباط هذه الآية أن الأولى قدح
منهم في الأصول وهذه في أمر يتعلق بالفروع وهذا بالنسبة إلَى الْيَهُود والْمُنَافقينَ الَّذينَ هم
من الْيَهُود، وأما بالنسبة إلَى الْمُشْركينَ فطعن في الدين أَيْضًا كما عرفته سابقا .
قوله: (ما صرفهم) لفظة ما استفهامية بمعنى أي شيء صرفهم. أي ليس شيء من
الأشياء بصارفهم فالاسْتفْهَام للإنكار الوقوعي لا للواقع فالمآل النفي .
قوله: (يعني بيت المقدس) لا الكعبة كما ستعرفه في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(قد نرى
تقلب وجهك)الآية. وفَائدَة قولهم (التي كانوا عليها) مع أن إضافة الْقبْلَة إلَى
الْمُسْلمينَ لتأكيد الإنكار فإن معناه كما هُوَ مقتضى كانوا ثابتين مستمرين عَلَى التوجه إليها
واعتقاد حقيتها، وهذا يقتضي عدم الانصراف فالانصراف لا محالة مستنكر جدًا. أما إنكار
الْيَهُود فلكراهتهم للتحويل عنها وزعمهم أنه خطأ، وأما المشركون فلمجرد الطعن في الدين
وإظهارهم أن الانصراف بغير داع كما أن التوجه أولًا بلا [داع] ، وأما التوجه إلَى الكعبة فحق
ثابت عندهم .
قوله: (والْقبْلَة في الأصل الحالة التي عليها الْإنْسَان من الاستقبال) لأن وزن فعلة
كجلسة تدل عَلَى نوع من الحالة فهي فعلة من الاسْتقْبَال والمقابلة كالجلسة للحالة التي يقع
عليها الجلوس .
قوله: (فصارت عرفًا للمكان المتوجه نحوه للصلاة) أي ثم صارت حَقيقَة عرفية
والْمُرَاد بالعرف العرف العام فيعم أهل اللغة أَيْضًا ففي أصل اللغة معناها الحالة الْمَذْكُور
وفي عرف اللغة وغيرها للمكان الخاص وهو المتوجه نحوه للصلاة، ولما كان ذلك المكان
يستقبله الْإنْسَان في الصلاة سميت قبلة، فالنقل من قبيل اسم العام إلَى ما يتعلق به الخاص
وإنما قال نحوه أي جانبه ؛ إذ لا يجب التوجه إلَى ذلك المكان بخصومه وبعينه النائي عنه
بل يجب نحوه، وقد فصل في الفقه .
قوله: (قُلْ للَّه الْمَشْرقُ وَالْمَغْربُ) اسْتئْنَاف معاني كأنه قال فماذا أقول عند ذلك؟ فقيل
قل، والْمُرَاد بالمشرق والمغرب جميع الأمكنة، وعن هذا قال المص لا يَخْتَصُّ به مكان دون
مكان، ولم يجمعا لإرادة الجنس، وقدم المشرق لأنه مَوْضع الطلوع المتقدم ولم يقل قل للَّه
جميع الأمكنة مع أنها الْمُرَاد؛ لأن طريق الكناية أبلغ، وَأَيْضًا هما قبلتا النصارى والْيَهُود .
قوله: (لا يَخْتَصُّ به تَعَالَى مكان دون مكان لخاصية ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه)
إشَارَة إلَى أن المشرق والمغرب كناية عن جميع الأمكنة، فالْمَعْنَى أن جميع الأمكنة