قوله: (وفيه إشعار بأن الْإنْزَال فيه) أي بأن ابتداء الْإنْزَال أو الْإنْزَال إلَى سماء الدُّنْيَا.
وفيه توهين كون الْمَعْنَى أنزل في شأنه الْقُرْآن وأنه معنى لا يعبأ به .
قوله: (سبب اخْتصَاصه) أي شهر رمضان .
قوله: (بوجوب الصوم) الباء داخل عَلَى المقصور وهذا بناء عَلَى ما اشتهر من أن
ترتب الحكم عَلَى ما له صلوح العلية يشعر بعليته ولم يعكس؛ لأن الْإنْزَال قبل وجوبه فإن
قبل فما سبب اخصصاصه بإنزال الْقُرْآن فيه؟ قلنا إن تعلق الإرادة بوجوب الصوم فيه يجوز أن
يكون سبب ذلك التَّخْصِيص، وبالنظر إلَى الخارج يكون الْإنْزَال سبب اخْتصَاصه بوجوب
الصوم، وبالنظر إلَى العلم يكون الأمر بالعكس فلا محذور، والمناسبة التامة بين الْإنْزَال
والصوم واضحة، وفي الكبير أنه تَعَالَى لما خصه بأعظم آيات الربوبية وهو إنزال الْقُرْآن لا
يبعد أَيْضًا أن يخصه بنوع عظيم من آيات العُبُوديَّة وهو الصوم انتهى؛ إذ بالصوم يتجلى
الْقُلُوب ويزول العلائق والعيوب حتى يسهل عليه ملاحظة جمال الله وجلال الله العلام
الغيوب؛ ولذا ورد تجوع تراني. فبين الصوم والْإنْزَال لما كان ارتباط يصح جعل كل منهما
سببًا لذلك الاخْتصَاص .
قوله: (حالان من الْقُرْآن أي أنزل وهو هداية للناس) وتعبير الحال بالْمَعْطُوف للميل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: وفيه إشعار الخ. وجه الإشعار ترتيب الحكم عَلَى الوصف المناسب الدال عَلَى علية
الوصف للحكم
قوله: حالان من الْقُرْآن. والْمَعْنَى أنزل جامعًا بين الهدى والبيان، وفي الكَشَّاف فإن قلت: ما
معنى قوله (وبينات من الهدى) بعد قوله (هدى للناس) يعني هُوَ
بحسب ظاهره تكرار فما وجه المغايرة بَيْنَهُمَا؟ قلت ذكر أولًا أنه هدى ثم ذكر أنه بينات من جملة ما
هدى به اللَّه وفرق بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال.
فحاصل الْجَوَاب أنه ذكر أولًا أنه هدى، والهدى عَلَى قسمين ما يكون بينًا جليًا، وما لا يكون كَذَلكَ.
والأول أفضل القسمين فذكر الجنس أولًا ثم أردفه بأشرف نوعه بل بالغ فيه فكأنه قيل إنه هدى بل
هو بين من الهدى بل بينات من الهدى ولا شك أنه في غاية المُبَالَغَة لأنه في المرتبة الثالثة فالعطف
في وبينات من باب عطف التشريف فإن ذكره ثانيًا مع دخوله في الْمَعْطُوف عليه إنما هُوَ للتنويه
والتشريف، والْمُصَنّف رحمه الله فرق بَيْنَهُمَا بوجه آخر وهو أن الأول عَلَى أنه هداية بلفظه وبلاغته
البَالغَة حد الإعجاز، والثاني عَلَى أنه هداية بمعناه إلَى طريق الحق وفرق بين الحق والباطل. أقول:
هذا الذي ذكره رحمه الله وإن كان دافعًا للتكرار لكنه تَخْصيص بلا مخصص لا من جهة اللَّفْظ ولا
من جهة الْمَعْنَى. والأول لا يصار إلَى التَّخْصِيص بل يحمل الْكَلَام عَلَى الإجمال والتَّفْصيل فإن هذه
نكرة دالة عَلَى الجنس وتنكيره للتعظيم أي هدى عظيم لا يكتنه كنهه وقوله (وبينات) .
تفصيل ذلك الجنس المجمل بعض تفصيل بأنه بين في نفسه أو مبينة لما به صلاح العباد في
الدارين من أحكام الدين والدُّنْيَا، وفارق بين الحق والباطل. قال الطيبي رحمه الله: حاصل سؤال
صاحب الكَشَّاف أن النكرة إذا أعيدت معرفة كانت الثانية عين الأولى، فما معنى هذا التكرار؟ وأجاب
أن المعرفة هَاهُنَا أعم من المنكر إن اللام في الهدى في قوله (من الهدى) للجنس لا للعهد الخارجي.