فإن الغرض هنا بيان أن تبين الخيط الأبيض ابتداؤه من الخيط الأسود؛ ولهذا السر لم يكتف
على قوله حتى يتبين لكم الفجر أو يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر؛ لأن الفجر كما
عرفت اسم للكل والجزء ويطلق عليهما فله مراتب كثيرة، فلو اكتفى بذلك لصار الحكم
مجملًا محتاجًا إلَى البيان فاخْتيرَ الْإطْنَاب لئلا يصير الحكم مجملًا، فاعلم أن تبين الخيط
الأبيض ابتداؤه من الخيط الأسود لا يتخطى إلَى غيره، وعند ذلك يحرم المباشرة وأختيها
وقيل والظَّاهر أنها متعلق بـ يتبين بتضمين معنى التمييز. والْمَعْنَى حتى يتضح لكم الفجر متميزًا
من غبش الليل إن حمل من عَلَى الابتداء لزم انتفاء الشرط الْمَذْكُور، فلا وجه للعدول عنه
وإن حمل عَلَى من البيانية، فلا وجه له أَيْضًا فالأول هُوَ الظَّاهر ولهذا اختاره أبو حيان .
قوله:(وما روي انها نزلت ولم ينزل من الفجر، فعمد رجال إلَى خيطين أسود
وأبيض)قيل أخرجه البخاري والنسائي من حديث سهل بن سعد وخرجه محيي السنة في
المعالم، فالأولى ترك قوله إن صح المشعر بعدم تسليم صحة ذلك .
قوله:(ولا يزالون يأكلون ويشربون حتى يتبينا لهم فنزلت، إن صح فلعله كان قبل
دخول رمضان وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائزة)يأكلون ويشربون وكذا يباشرونهن ولم
يذكر للاكتفاء، فلعله كان قبل دخول رمضان فلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة بل يلزم
تأخيره عن وقت الخطاب قبل الحاجة، وهو جائز في بيان التقرير وبيان التَّفْسير دون بيان
التغيير وهنا البيان بيان التَّفْسير قيل وهو غير واقع لأنهم محتاجون إليه في صوم النقل لكن
سوق الْكَلَام يقتضي كون الآية لبيان صوم رمضان وسبب النزول يؤيد ذلك فصوم النفل
معلوم حاله مما اشتهر أو في النفل توسع فالعمل بما فهم يسوغ لهم دون صوم رمضان بقي
الْكَلَام في صوم الْكَفَّارة والمنذورات. وبالْجُمْلَة فالتعويل عَلَى الْجَوَاب الثاني .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: فعمد رجال إلَى خيطين. وفي الكَشَّاف فإن قلت: فَكَيْفَ التبس عَلَى عدي بن حاتم مع
هذا البيان حتى قال عمدت إلَى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فكنت أقوم من الليل
فانظر إليهما فلا يتبين إلي الأبيض من الأسود فلما أصبحت غدوت إلَى رسول الله صلى الله تَعَالَى
عليه وسلم فأخبرته فضحك وقال"إن كان وسادتك لعريضًا"أي أنه كان وروي إنك لعريض القفا""
عرض الوسادة يدل عَلَى عرض القفا، وعرض القفا يدل عَلَى البلاهة لأن من يكون عريض القفا
يكون كثير الرطوبة في العنق وفي الدماغ ليكون أبله كثير النسيان فعريض الوسادة كناية تلويحية عن
البلاهة وعريض القفا غاية رمزية .
قوله: فلعله كان قبل دخول رمضان لأنه إن كان في رمضان ولم ينزل من الفجر لزم
تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو غير جائز وتأخير البيان عن وقع الخطاب جائز وعن وقت
الحاجة ممتنع .