قوله: (أو اكتفى أولًا باجتهادهم في ذلك ثم صرح بالبيان لما التبس عَلَى بعضهم)
أراد أن الآية ليست مجملة بل هما مَشْهُوران في الفجر وغبش الليل فأنزل قوله (من الفجر)
للتأكيد وقطع الاحتمال فيكون بيان التقرير فيجوز تأخيره عن وقت الحاجة. قيل محصله أن
هذا البيان ليس ضروريًا حتى يكون تأخيرًا عن وقت الحاجة؛ لأن الخيط الأبيض والأسود
اشتهرا في بياض الفجر وسواد الليل والبيان إنما هُوَ للاحتياط وحفظ القاصرين انتهى.
وأَشَارَ إلَى جواز تأخير هذا البيان التقريري عن وقت الحاجة فضلًا عن وقت الخطاب لكن
يخالف ما قرر في الأصول بحسب الظَّاهر من أن بيان التَّفْسير والتقرير لا يجوز تأخيره عن
وقت الحاجة اتفاقًا. فإن قيل إنه يلزم من عدم فهم البعض التكليف بما لا يطاق عَلَى هذا
التقدير. قلنا إن الاعتبار للمجموع والكل، أَلَا [تَرَى] أنه يجوز ترك هذا البيان فما ظنك بجواز
تأخيره عن وقت الحاجة. قال النووي: فلعله من لم يكن مخالطًا لرسول الله صلى الله تَعَالَى
عليه وسلم من الأعراب ومن لا فقه عنده، أو لم يكن في لغته اسْتعْمَاله فيهما ورجح هذا
بعضهم وقال إنه كان معروفًا في لغة قريش ومن جاورهم، ولا يخفى عليك أنه لما اشتهرا
في ذلك عندهم، فلا وجه للجواب الأول وإن لم يسلم اشتهارهما في ذلك فلا يستقيم
الْجَوَاب الثاني والجمع بين الْجَوَابين مشكل .
قوله:(وفي تجويز المباشرة إلَى الصبح الدلالة عَلَى جواز تأخير الغسل إليه وصحة
صوم الصبح جنبًا)لأن المباشرة إن وقعت في آخر جزء من الليل متصل بالصبح يكون
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: أو اكتفى. أي أو يكون ذلك بعد دخول رمضان لكن اكتفى في البيان لاشتهار الخيطين
عند العرب في بياض النهار وسواد الليل، لكن لما التبس ذلك عَلَى بَعْض البله لم يكتف بذلك بل
صرح زيادة البيان فقيل من الفجر .
قوله: وتَجْويز المباشرة إلَى الصبح للدلالة عَلَى جواز تأخير الغسل؛ لأن المباشرة إذا كانت
مباحة إلَى الانفجار لم يمكنه الاغتسال إلا بعد الصبح. أقول: هذا استدلال بالخفي عَلَى الظَّاهر، وكان
الأولى عليه أن يعكس ويقول وتجوير تأخير الغسل إلَى الصبح للدلالة عَلَى جواز المباشرة إليه لأن
دلالة الآية عَلَى جواز المباشرة إلَى الصبح أوضح وأقدم من دلالتها عَلَى جواز تأخير الغسل إليه
فإن استفادة جواز تأخير الغسل إلَى الصبح من الآية إنما هي بعد استفادة جواز المباشرة إليه منها؛
لأن جواز تأخير الغسل إليه لازم لجواز المباشرة إليه، ودلالة اللَّفْظ عَلَى اللازم إنما هي بواسطة
دلالته عَلَى الملزوم، فاستفادة اللازم من اللَّفْظ إنما يكون بعد استفادة الملزوم منه وكذا الْكَلَام في
دلالة الآية عَلَى صحة صوم الصبح جنبًا فإن الوجه أن يستدل بصحة المباشرة إلَى الصبح عَلَى
صحة صوم من أصبح جنبًا لا بصحة صوم من أصبح عَلَى صحة المباشرة إلَى الصبح كما فعله
الْمُصَنّف رحمه الله، وتَجْويز المباشرة إلَى الصبح مُسْتَفَاد من عطف (كلوا واشربوا) عَلَى (باشروهن)
مغيا بغاية هُوَ أول الصبح. قال الإمام: دلت هذه الآية عَلَى حرمة هذه الثلاثة عَلَى الصائم بعد طلوع
الصبح فبقي ما سواها عَلَى الحل الأصلي، فلا يكون شيء منها مفطرًا ، والفقهاء قَالُوا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى
خص هذه الثلاثة بالذكر؛ لأن النفس تميل إليها. أما القيء والحقنة فالنفس تكرههما، والسعوط نادر؛
فلهذا لم يذكرها .