يَنْبَغي تقديمه لكن خير الآحاد لا يقاوم اتصاله بما قبله فإن ذكر ولا تلقوا عقيب أنفقوا
يرجح الْمَعْنَى الأول.
قوله: (أو بالإمساك وحب المال) عطف عَلَى قوله بالإسراف فيكون متعلقًا بـ أنفقوا
بطَريق التَّأْكيد، وأما تعلقه عَلَى تقدير تفسيره بالإسراف به فبطَريق أنه منع عن الإفراط في
الإنفاق كما أن قوله وأنفقوا منع عن التفريط فيه والإمساك الكلي.
قوله: (فإنه يؤدي إلَى الهلاك المؤبد) فالْمُرَاد بالتهلكة حِينَئِذٍ الهلاك في الْآخرَة
وهو استحقاق الأخذ والعقاب وهو مفوت للحياة النافعة في دار الثواب لكن قيد المؤبد مما
يحسن تركه؛ إذ بمجرد البخل لا يبقى في الهلاك المؤبد، إلا أن يقال الْمُرَاد إنكار فرضية
الإنفاق، ولا يخفى بعده عَلَى الإنفاق.
قوله: (ولذلك سمي البخل هلاكًا) أي مَجَازًا لكونه سببًا للهلاك.
قوله: (وهو في الأصل انتهاء الشيء في الفساد) أي أصل معنى الهلاك انتهاء الشيء
في الفساد ثم استعمل في مطلق الفساد سواء كان تناهى الفساد أو لا، وقد يفرق بَيْنَهُمَا بأن
الهلاك لا يستلزم الفناء بل يستلزم الخروج عَلَى الانتفاع بخلاف الفساد.
قوله: (والإلقاء طرح الشيء) يقال ألقيته إذا طرحته فإنك بطرحه جعلته بحيث
يلقى واللقاء المصادفة كذا قاله في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (وَإذَا لَقُوا الَّذينَ آمَنُوا)
الآية. هذا في الإلقاء الحقيقي، وأما في مثل ما نحن فيه فطرح معنوي
تشبيهًا للمعقول بالمحسوس.
قوله:(وعدى بـ إلى لتضمن معنى الانتهاء، والباء مزيدة والمراد بالأيدي الأنفس، والتهلكة
والهلاك والهلك واحد). والْمَعْنَى (وَلَا تُلْقُوا بأَيْديكُمْ إلَى التَّهْلُكَة) منهيًا إليها أو منتهية إليها
فالأول إذا اعتبر كون الظَّرْف حالًا من فاعل تلقوا والثاني إذا اعتبر حالًا من أيديكم وهو مختاره
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: أو بالإمساك عطف عَلَى قوله بالإسراف. قيل: وإنما احتملت الآية الضدين لأن اليد
تستعمل في الإعطاء والمنع بسطًا في الإعطاء وقبضًا في المنع قال الله تَعَالَى(وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ
مَغْلُولَةً إلَى عُنُقكَ وَلَا تَبْسُطْهَا).
قوله: وعدي بـ إلى يعني أن أصل تعدية الإلقاء إنما هُوَ بكلمة عَلَى قال الله تَعَالَى:(وَأَلْقَيْتُ
عَلَيْكَ مَحَبَّةً منّي)، فوجه تعديته هنا بكلمة إلَى لتضمينه معنى الانتهاء. والْمَعْنَى ولا تنتهوا
إلى التهلكة ملقين أنفسكم.
قوله: والْمُرَاد بالأيدي الأنفس، فالأيدي كناية عن الأنفس فإن اليد لازم للنفس وتَخْصيص
اليد من بين سائر الجوارح اللازمة لها لأن أكثر أعمال النفس تظهر بالمباشرة باليد.