لكن الأول أولى لأنه حِينَئِذٍ لا يكون الباء زائدة فيه؛ إذ زيادتها في الْمَفْعُول شاذة الأنفس مَجَازًا
بطَريق ذكر الجزء وإرادة الكل، ولما كان اليد العاملة مختصة بالْإنْسَان ومنها أكثر منافعه عبر بها
عن الأنفس وقد أنكر البعض كون اليد مَجَازًا عن الذات والنفس، وقد مَرَّ التَّفْصيل في تفسير قوله
تَعَالَى: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بمَا قَدَّمَتْ أَيْديهمْ) .
قوله: (فهي مصدر كالتضرة والتسرة) وكون التهلكة مصدرًا بالضم كالتضرة بمعنى
الضرر والتسرة بمعنى السرور. منقول عن سيبَوَيْه وهو الصحيح لكنه من النوادر كذا قيل.
ويخدشه قول البعض من أن كون التهلكة مصدرًا ليس منصوبًا بل مستنبط من قولهم
باتحادها بالهلاك والهلك معنى عَلَى ما في الكَشَّاف، وأنت خبير بأن الاتحاد معنى لا يستنبط
منه كونها مصدرًا لجواز كونها اسم مصدر كالسلام فإنه اسم مصدر بمعنى التسليم فليحمل
كلام المص عليه تسامحًا وعند اسم المصدر من المصادر ميلًا إلَى الْمَعْنَى ونقل عن أبي
عبيدة التهلكة والهلاك والهلك واحد فدل من قول أبي عبيدة عَلَى أن التهلكة مصدر وقد
جاء في مصادر فعل بتخفيف العين تفعلة كحل تحلة أي حلالًا ويمكن حمل كلامه عَلَى ما
ذكرناه من أن مراده اسم مصدر وعُد مصدرًا ترجيحًا لجانب الْمَعْنَى فلا يرد الإشكال بأنه
من النوادر ولو سلم ثبوته، وحمل الْكَلَام البالغ نهاية البلاغة عَلَى النوادر الشاذة ضعيف
وأَيْضًا لا حاجة إلَى الاعتذار بأنه لما كان كون هذا الوزن من المصادر بعيدًا استشهد بما
حكاه سيبَوَيْه من قولهم التضرة والتسرة بمعنى الضرر والسرور، وكون التهلكة بمعنى الهلاك
هو الْمَشْهُور كما نقل عن أبي عبيدة واختاره المص. وقيل التهلكة ما أمكن التحرز عنه
والهلاك ما لا يمكن. وقيل التهلكة هي نفس الشيء المهلك والأول هُوَ المطابق للاسْتعْمَال.
قوله: (أي لا توقعوا أنفسكم في الهلاك) لبيان حاصل الْمَعْنَى. قوله ولا تواقعوا معنى
ولا تلقوا للإشَارَة إلَى ما ذكرنا من أن الإلقاء هنا وفي أمثاله معنوي؛ إذ الطرح وهو الرمي
مختص بالأمر المحسوس أنفسكم معنى بأيديكم ولزيادة الباء تركه، وَأَيْضًا الإيقاع متعد
بنفسه في الهلاك التَّعْبير بـ في لأن صلة الإيقاع لفظة في ومع ذلك إشَارَة خفية أنيقة إلَى أن
من فعل ذلك من الإسراف والبخل وترك الجهاد أوقع نفسه في الهلاك لحيث يستوعب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: فهي مصدر كالتضرة. لما كان بناء المصدر عَلَى التفعلة قليلًا في كلام العرب استدل
عليه بمجيء مثله في الْكَلَام حكى أبو علي الفارسي في كتابه الموسوم بالحلبيات عن أبي عبيدة
التهلكة والهلاك والهلك واحد قال فدل هذا من قول أبي عبيدة عَلَى أن التهلكة مصدر ومثله ما
حكاه سيبَوَيْه من قولهم التضرة والتسرة ونحوها في الأعيان التنضية والتنقلة، ويجوز أن يقال أصلها
التهلكة بكسر اللام كالتجربة والتبصرة ونحوهما عَلَى أنها مصدر من هلك فأبدلت من الكسرة صفة
كما جاء الجوار في الجوار. إلَى هنا كلامه التنضية شجرة والسفلة ولد الثعلب. وقيل معناه لا
تجعلوها آخذة بأيديكم أي لا تجعلوا التهلكة آخذة بأيديكم مالكة لكم.