قوله: (قال العلم تأخذ منها ما رضيت به) قال أي العباس بن مرداس السلم أي
الصلح تأخذ منها أي من السلم ما رضيت به.
قوله: (والحرب يكفيك من أنفاسها جرع) حاصله أن الصلح لاشتماله الأمن والأمان
تحبه وتميله دائمًا ولا يحصل لك الشبع فلا تسأم من طول زمانها، وأما العرب فلاشتمالها
الشدائد والمحن والقتل والفتن لا ترغب إليها فإن رغبت فيحصل لك الشبع من أنفاسها. أي
من بأسها وشدائدها جرع جمع جرعة وهو ما يشرب. والأنفاس جمع نفَس بفتح الفاء
والْمُرَاد هنا شدائدها. والجرع كناية عن القلة. لفظة من فيه ابتدائية متعلقة بتأخذ لا بيانية ولا
تبعيضية أي تأخذ منها أبدًا ما تحبه وترضاه كذا قيل. والمُتَعَارَف في مثل هذه العبارة كونها
بيانية لما في قوله ما رضيت به قدم عَلَى المبين لكونه أهم، ثم الظَّاهر أن الفعلين عَلَى
حالهما والغرض ذم المخاطبين بالجبن ويحتمل أن يكونا بمعنى الأمر.
قوله: (والْمَعْنَى استسلموا لله وأطيعوه جملة ظاهرًا وباطنًا) اكتفى بذكر الله تَعَالَى لأن
طاعة الرَّسُول مندرج فيه؛ لأن طاعة الرَّسُول طاعة الله أولًا اعتداد بطاعة الله بدون طاعة
الرَّسُول ثم التَّعْبير عن الدخول في الْإسْلَام بذلك تنبيه عَلَى أن معنى الدخول وهو الحركة
من خارج إلَى الداخل لا يتصور هنا حَقيقَة، فحاصل الْمَعْنَى ما ذكره المص، وإنَّمَا عبر
بالدخول للمُبَالَغَة، ولما نبه أولًا عَلَى [المقصود] قال ثانيًا أو ادخلوا في الْإسْلَام الخ.
قوله: (والخطاب للْمُنَافقينَ أو ادخلوا في الْإسْلَام) فخطابهم بالإيمان لوجود الإقرار
باللسان لكن لا لكون الإيمان حَقيقَة فيه بل لكون الإقرار أمارة للتصديق فمتى وجد الأمارة
يصح إطلاق الإيمان عَلَى الْحَقيقَة. توضيحه أن أمارة الأمور الخفية كافية في صحة إطلاق
اللَّفْظ عَلَى الْحَقيقَة كالعليم والكريم فذكر ظاهرًا مع أنهم آمنوا ظاهرًا لتمهيد قوله باطنًا
وحاصله الأمر بالجمع بينهما ولم يحصل ذلك قبل الأمر. قوله جملة ناظر إلَى كون (كافة)
حالًا من الضَّمير، والْمُرَاد بالْجُمْلَة جملة الأجزاء كما يدل عليه قوله ظاهرًا وباطنًا. أي ادخلوا
في الْإسْلَام بجميع أجزاء آلة الإيمان وهو إقرار باللسان وتصديق بالجنان ويحتمل أن يعم
الْكَلَام إلَى جملة الآحاد لكن لظهورها لم يتعرض لها؛ إذ الخطاب لجميع الْمُنَافقينَ بأسرهم
بإتيان الإيمان بجملة أجزائه فيكون (كافة) حالًا منهما كما عرفته، ولا يبعد أن يكون حالًا من
السلم لأنه ذو أجزاء كثيرة فإن الْمُرَاد به الْإسْلَام وهو ما جاء به النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ ولا
شك في كونه ذا أجزاء، فإن ما اكتفى بذكره تَعَالَى لأن إطاعته تَعَالَى الركن الأعظم المستلزم
لجميع أجزائه لكن ما اختاره هُوَ [المقصود] هنا لكون المخاطبين الْمُنَافقينَ [فالمقصود] صريحًا
دخولهم باللسان والجَنان وإن كان دخولهم جَميعًا في جميع الْإسْلَام مرادًا أَيْضًا، وكذا
الْكَلَام في البواقي كما ستعرفه.