فالمفهوم المخالف له عدم اخْتصَاص الحمد بمن لم يتصف بتلك الأوصاف وهو باطل؛ إذ
الْمُرَاد عدم ثبوته للغير لا عدم اخْتصَاصه المشعر بثبوته له في الْجُمْلَة فالْمُرَاد مفهوم
الموافقة فقط وهو عدم استيهال الغير لأن يحمد انتهى. وقد بانَ لك مما ذكرنا سابقًا أن
الْمُرَاد لَيسَ اخْتصَاص الحكم؛ إذ لا تدل الأوصاف الْمَذْكُورة عليه ويؤيده قوله وللإشعار
لأنه لو كان الْمُرَاد ذلك لكان المشعر به أن لا يكون الغير مختصا باستحقاق الحمد لا أن
لا يستأهل له أصلا كما قال الْمُصَنّف فحِينَئِذٍ يشعر بأن الغير يكون إهلاله في الحمد وهو
باطل فإذا أضعف الأساس بأن وهن ما يبنى عليه. والحاصل أن الْمُصَنّف ذكر للإجراء
فائدتين الأولى أن الْكَلَام بمَنْطُوقه دليل عَلَى ثبوت الحمد له تَعَالَى بواسطة إشعاره بعلية
تلك الأوصاف وبملاحظة انتفاء تلك العلة في الير يدل عَلَى اخْتصَاصه به وعلى انتفائه
عما سواه والثانية إنه بمفهوم المخالفة دالة عَلَى اخْتصَاص الْعبَادَة به لأن من لم يتصف بها
لا يليق به أي الحمد فعدم كونه أهلًا لأن يعبد أولى فالأول تأكيد لما قبله وتمهيد لما بعده
قوله: ليكون دليلًا عَلَى ما بعده شاهد عَلَى ما ذكرنا من التعرض لأن لا يستأهل للحمد
تمهيد لبيان أنه لا يستأهل للعبادة.
قوله: (لا يستأهل لأن يحمد) بالهمزة أو الألف المبدلة منها استفعال من الأهل أي
لا يستحق ولا يليق أنكر الْجَوْهَريّ الاستيهال في هذا الْمَعْنَى وتبعه الحريري وقاله إنه مولد
غير مسموع من العرب والمسموع استأهل بمعنى الإهالة وهي الشحم المذاب وفي الأساس
فلان أهل لكذا وقد استأهل لكذا وهو متأهل له وسمعت أهل الحجاز يستعملونه
اسْتعْمَالًا واسعًا وفي القاموس استأهله استوجه لغة جيدة وإنكار الْجَوْهَريّ باطل ومثل هذه
المخالفة يَنْبَغي أن تحمل عَلَى تفاوت اللغات وإلا فيرتفع الأمان عن بيان أرباب اللغات
وقوله (فضلًا عن أن يعبد) مصدر يتوسط بين الأدنى والأعلى للتنبيه بنفي الأدنى
واستبعاده عن الوقوع عَلَى نفي الأعلى وهذا القدر لا إشكال فيه، وأما انتصابه عَلَى أنه
مَفْعُول مطلق فبأي طريق كان اختلفوا فيه اخْتلَافا كثيرًا حتى قال بعضهم لا يقاربون حل
فضلًا بحسب الظَّاهر فضلًا عن تحقيقه واختار بعضهم أنه مَفْعُول مطلق من فضل بمعنى زاد
يقال زيد لا يجوز بدرهم فضلًا عن الدينار أي عدم إعطائه الدرهم أمر زائد عَلَى عدم
إعطاء الدينار ولأنه يمتنع أولًا عن إعطاء الدينار ثم عن إعطاء الدرهم فحسن بمعنى عَلَى أو
للتجاوز ويستعمل بين كلامين مختلفين إيجابًا وسلبا تفيد انتفاء الأدنى ليلزم انتفاء الأعلى
بالطريق الأولى هذا قاله السيرافي في حاشية المطول في أوائل أحوال متعلقات الْفعْل قوله
ويستعمل بين كلامين الخ. غير مذكور في أكثر بيانهم ولعله بناء عَلَى الأكثر قيل وصنف فيه
ابن هشام رسالة مستقلة انتهى. لكن لم نطلع عليها.