الربوبية في التَّفْصيل فالاعتبار الأول هُوَ الْمُنَاسب للإجمال والثاني للتفصيل فلا منافاة بين
الْكَلَامين نظرا إلَى الاعتبارين واعلم أن الإمام قال من ذهب إلَى وجوب الشكر عقلًا قبل
مجيء شرع استدل بقوله: (الحمد لله) لأنه يدل عَلَى أن الحمد حقه وملكه
على الإطلاق فيدل عَلَى ثبوته قبل الشرع ولأنه قال: (رب الْعَالَمينَ) وقد
ثبت أن ترتب الحكم عَلَى الوصف الْمُنَاسب يدل عَلَى كون الحكم معللًا بالوصف فلما
ثبت الحمد لنفسه ووصفه بكونه ربا للْعَالَمينَ رحمانا رحيمًا بهم مالكًا لعاقبة أمرهم في
الْقيَامَة دل عَلَى ثبوت الحمد له قبل الشرع وبعده انتهى. قيل فكأن الْمُصَنّف أشار بما ذكر
إلى الرد عليه فإنه بيان من الله تَعَالَى لإيجابه فهو سمعي لا عقلي فما ذكر دليل عليه لا له
فتدبر، ولا يخفى عليك إنه لا وجوب قيل ورود الشرع عند الأشعري والْمُصَنّف منهم، وأما
القائلون بالوجوب عقلًا فعندهم يجب الحمد علينا عقلًا حتى يكون معرضًا للثواب
والعقاب ثم بورود الشرع يحصل الاعتداد وتمام البحت في التوضيح فمعنى قوله ما هُوَ
الموجب ما هُوَ سبب ظَاهر لوجوب الحمد فالإسناد مجاز قوله وهو الإيجاد الخ. الْمُرَاد به
الحاصل بالمصدر (والثاني والثالث للدلالة عَلَى أنه) .
قوله: (متفضل بذلك) أي بذلك الإيجاد كما أنه متفضل بسائر الإنعام في الدُّنْيَا ويوم
الْقيَامَة فلا تَخْصيص به حتى يتوهم المنافاة بينه وبين قوله فيما سبق من تعميم الرحمة
والرأفة المُسْتَفَاد من الرحمن الرحيم (مختار فيه) منفهم من الرحمن والرحيم أَيْضًا بطَريق
اللزوم فلذا لم يتعرض له فيما سبق؛ إذ التفضل والإحسان الغاية للرحمن يستلزم الاختيار
بمعنى صحة الْفعْل والترك؛ إذ ما صدر من الْفَاعل بلا اختيار لا يوصف بالتفضل.
قوله: (ليس يصدر منه) كالتَّفْسير للاختيار وذكر وجوب عليه ونفيه لإتمام البحث لا
مدخل له في تفسير الاختيار؛ إذ الوجوب عليه لا ينافي الاختيار ففي كلامه نوع تعقيد
فالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: وأَيْضًا لا وجوب عليه.
قوله: (لإيجاب بالذات) كما ذهب إليه الفلاسفة من أن إفاضة الوجود عَلَى ما تم
استعداده مقتضى ذاته فيمتنع تخلفه عنه فلا بد فيه من المادة والصدة (أو وجوب عليه)
كما ذهب إليه المعتزلة من أنه يجب عليه تَعَالَى الأصلح وإعطاء الوجود، وأما وجوب
ثواب المطيع وعقاب العاصي عليه تَعَالَى لا مناسبة هنا وإن قال به المعتزلة لكن كون
إعطاء الوجود من قبيل الأصلح غير واضح؛ إذ الْمُرَاد بالأصلح إما وجوب الأصلح في
الدين بمعنى الأنفع وقَالُوا تركه بخل وسفه يجب تنزيه الله تَعَالَى عنه كما ذهب إليه
معتزلة البصرة؛ إذ وجوب الأصلح في الدين والدُّنْيَا معًا بمعنى الأوفق في الْحكْمَة
والتدبير كما اختاره معتزلة بغداد فما ذكره الْمُصَنّف لا ينطبق عَلَى شيء منهما إذ