لوجوه: أما أولًا فلأن كلامه خاص بالالْتفَات وهذا عام له ولغيره كما سيتضح، وأما ثانيًا
فلأن التَّعْبير بمادة العرب أولى من التَّعْبير بعلماء البيان؛ إذ ظاهره غير عام لجميع العرب
العرباء وإن اعتذر عنه النحرير التفتازاني بأنه أراد بالبيان ما يعم العلوم الثلاثة عَلَى ما هو
اصْطلَاحه في مواضع كثيرة انتهى؛ إذ العلوم العربية غير منحصرة في العلوم الثلاثة بل لا
يبعد أن يقال إنه لا يَخْتَصُّ بالعلوم بل هُوَ في محاوراتهم يحاورون بأفانين الْكَلَام في أداء
المرام، وأما ثالثًا: فلأن كلام الْمُصَنّف مشعر بالحصر كما هُوَ الأمر كَذَلكَ؛ إذ البلاغة
والفصاحة مختصتان بلسان العرب فعلم منه أن الْمُرَاد بالعرب هنا ما يقابل العجم لا مقابل
الأعْراب؛ إذ أهل البادية وهم الْمُرَاد بالأعْراب لهم أو لأكثرهم فصاحة وبلاغة واعتبارات
لطيفة بحسب السليقة.
قوله: (التفنن في الْكَلَام) أي إيراد الْكَلَام بالأفانين أي الأساليب يقال تفنن الرجل في
حديثه إذا جاء بالأفانين أي الأساليب أي التفنن بالإظهار والإضمار باسْتعْمَال كل منهما في
المَوْضع الآخر وبالموصولات وأسماء الإشارات والْإخْبَارية والإنشائية والمضي والْمُضَارِع
وإفراد الْكَلَام وتركيبه وغير ذلك مما يكون به الْكَلَام مطابقا لمقتضى الحال وإن كان مخالفًا
لظَاهر الحال.
قوله: (والعدول من أسلوب) من قبيل عطف الخاص عَلَى العام أن حمل العدول عَلَى
ظاهره وهو الانتقال من ذلك الأسلوب بعد العمل به (إلَى) أسلوب(آخر تطرية له وتنشيطًا
للسامع)فحِينَئِذٍ النُّكْتَة فيه التَّنْبيه عَلَى أن ذلك العدول لكونه متكاثر الفوائد ومتناثر الفرائد كأنه
أمر آخر غير التفنن الْمَذْكُور وأعلى منه بلاغة أو عطف تفسير أن حمل العدول عَلَى خلاف
ظاهره وهو اختيار أسلوب من الأساليب باعْتبَار مطابقته للاعتبار الْمُنَاسب مُطْلَقًا وإليه مال بعض
المحشيين نظرا إلَى أشد مناسبته بالمقام لكن يرد عليه أنه فما الحاجة إلَى تطويل الْكَلَام فلم لم
يصرح في أول الأمر بالمرام كما فعله صاحب الكَشَّاف والْقَوْل بأنه أراد الإجمال ثم التَّفْصيل
فإنه أوقع في النفس ضعيف فإنه لا حاجة إليه في مثل هذا المقام ثم حاول توضيح ذلك العدول
وتفصيله فقال: (يتعدل من الخطاب إلَى الغيبة ومن الغيبة إلَى التَّكَلُّم وبالعكس كقوله تَعَالَى:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
التي توحد في جميع صور الالْتفَات وخصوصيات موارده وإذا قورنت لهذه النُّكْتَة في بعض المواضع
نكتة أخرى خاصة أفادت للكلام زيادة حسن وقول وهي تختلف باخْتلَاف المقامات والأحوال.
قوله: كقَوْله تَعَالَى (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) فيه التفات من
الخطاب إلَى الغيبة لأن الْمُرَاد بضمير الخطاب في كنتم وبالضَّمير المجرور في بهم واحد وفي
قوله: (والله الذي أرسل الرياح) الآية. من الغيبة إلَى التَّكَلُّم وفي قول امرئ القيس
تطاول ليلك البيت فيه ثلاثة التفاتات في ثلاثة أبيات فإن مخاطبة الْإنْسَان لنفسه عنده في باب
الالْتفَات وعند غيره من باب التجريد فالالْتفَات الأول في ليلك التفت فيه من التَّكَلُّم إلَى الخطاب
من حيث إنه قال ليلك في مقام ليلي والأفصح فتح الكاف في ليلك لأن الْمُرَاد به الشخص من
حيث هُوَ لا النفس من حيث هي لأن النفس بعض الشخص لا كله ولو أريد بالنفس العين بمعنى
الذات فالأنسب أَيْضًا الفتح لأن العين هُوَ الشخص والدليل عَلَى ذلك أنه لم تكتب ياء المخاطبة