(إنَّ الَّذينَ آمَنُوا والَّذينَ هادوا) والْمَعْنَى الرخصة في القليل دون الكثير) وإنما
قدمت الْجُمْلَة الثانية أي هي في حكم المتأخّرة للعناية بها والاهتمام بها. وجه العناية أن
المطلوب أن لا يشرب الماء بالكلية فالْجُمْلَة الثانية مؤيدة لهذا المطلوب ذكرت لتأكيد
الْمَعْنَى المطلوب من الْجُمْلَة الأولى فإنه فهم من الأولى أن من لم يشرب منه فهو من
أتباعه وبملاحظة ذلك كأنه لم يتوسط شيء بين الْمُسْتَثْنَى والمستثنى منه بالنظر إلَى العزيمة
والاغتراف بالغرفة رخصة أشار إليه المص بقوله والْمَعْنَى الرخصة في القليل دون الكثير
فعلم أن مآل الجملتين متحد فلا فصل في الْحَقيقَة بين الْمُسْتَثْنَى والْمُسْتَثْنَى منه. وقيل بناء
على ظَاهر كلام المص فقدم من لم يطعمه لأنه عزيمة اعتناء به وتكميلًا للتقسيم ولملاحظة
هذه النكتة وكونه في نية التأخير اغتفر فصله بين الْمُسْتَثْنَى والْمُسْتَثْنَى منه، والتحقيق ما
ذكرناه لا يرى إن من شرب منه فليس مني عكسه النقيض أن من كان من اتباعي فلا يشرب
منه، وهذا معنى (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) ومثل هذا لا يعد فصلًا بالأجنبي بين الْمُسْتَثْنَى
والْمُسْتَثْنَى منه ولا غيره. قوله كما قدم الصابئون الخ. أي في سورة المائدة وقد أوضحه
المص هناك بما لا مزيد عليه.
قوله: (وقرأ ابن عامر والكوفيون بضم الغين) وهو بالضم [ملء] الكف وبفتح الغين
المرة لكن الْمُرَاد القلة كناية كما نبه عليه بقوله والْمَعْنَى الرخصة في القليل الخ.
قوله: (فكرعوا فيه؛ إذ الأصل في الشرب منه أن لا يكون بوسط) فكرعوا أي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والْمَعْنَى الرخصة في القليل دون الكثير وفي الكَشَّاف ومعناه الرخصة في اغتراف الغرفة
باليد دون الكروع. أي الشرب بالفم بلا واسطة، وإنَّمَا عدل عن الشرب إلَى الكروع ليؤذن أنهم بالغوا
في مخالفة المأمور به يعني لم يغترفوا بل كرعوا. أي أفرطوا في الشرب كالبهائم قال بعض الفضلاء:
من جعل الاستثناء من قوله (ومن لم يطعمه) تعسف وعنى به أبا البقاء فإنه قال (إلا من اغترف) استثناء
من الجنس وموضعه نصب. ثم قال أي أبو البقاء وأنت بالخيار إن شئت جعلته استثناء من الأولى وإن
شئت من من الثانية، فعلى هذا يكون الاستثناء متصلًا لقوله استثناء من الجنس. وقال بعضهم الاستثناء
منقطع عَلَى التقديرين أما إذا كان من (من لم يطعمه) فلأن المغترف ذائق ومن لم يطعمه غير ذائق، وأمَّا
إذا كان من من شرب منه فلأن من شرب منه كارع والمغترف غير كارع لكن معناه عَلَى تقدير أن
يكون استثناء من (من لم يطعمه) أن المغترف ليس مني فحِينَئِذٍ لا يكون الاغتراف رخصة وعلى تقدير
أن يكون من من شرب منه كان الْمَعْنَى المغترف مني يكون الاغتراف رخصة. قيل لعل وجه التعسف
في قول أبي البقاء هُوَ خروج الاغتراف عن كونه رخصة فإن ظَاهر الآية تدل عَلَى خلافه.
قوله: إذ الأصل في الشرب فيه أن لا يكون بوسط تعليل لتفسير الشرب من النهر بالكرع
وإنما لم يقل؛ إذ الأصل في الشرب منه ولم يقل في الشرب مُطْلَقًا؛ لأن الشرب لا بواسطة شيء
معنى الشرب المقيد وهو الشرب منه لا معنى الشرب مُطْلَقًا.