كابن جني. وقال ابن مالك وغيره إنه التحقيق. ووجهه أن أصل باب التَّفْضيل أن يستعمل بمن
ويستغنى به عن جمعه فلما خالفه جعل معدولًا عنه. فإن قيل لا يصح أن يكون آخر معدولًا
عن أُخر من لأن أُخر جمع آخر من وآخر من مفرد فَكَيْفَ يصح كون الجمع معدولًا من
المفرد؟ أجيب بأن أفعل التَّفْضيل إذا كان مستعملًا بمن يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع
فـ [حِينَئِذٍ] يكون آخر معدولًا عن الجمع فعلم أن آخر في أخر من مفرد لكنه في معنى الجمع
فيكون آخر معدولًا عن المفرد ظاهرًا وعن الجمع حَقيقَة وفي نفس الأمر، ولعل لهذا
التَّكَلُّف أخّر المص هذا الاحتمال، وإنَّمَا لم يذهب إلَى تقدير الْإضَافَة لأنها توجب
التَّنْوين أو البناء أو إضافة أخرى مثلها وليس في آخر شيء من ذلك:(فأما الَّذينَ في
قلوبهم)الآية. تفصيل ما أجمل في العلم مع سبق ما يدل عَلَى المجمل
المتعدد؛ إذ قوله (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) يشعر بأن قلوب النَّاس فيها مختلفون
فأما المائلون عن الحق فيتبعون أهواءهم، وأما الراسخون فيقولون آمنَّا به فعد بل إما غير
مذكور اكتفاء بما يقوم مقامه مع الإشَارَة بزيادة الاعتناء بشأن ما ذكر بعد إما؛ إذ المقصود ذم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
مررت برجل أفضل ولا برجال أفاضل ولا بأمرأة فضلى حتى تصله بمن أو تدخل عليه الألف
واللام وهما يتعاقبان عليه ولا كَذَلكَ أخر لأنه يؤنت ويجمع بغير من وبغير الألف واللام وبغير
الْإضَافَة تقول مررت برجل آخر وآخرين وبامرأة أخرى وبنسوة أخر فلما جاء معدولًا وهو صفة منع
الصرف وهو مع ذلك جمع فإن سميت به رجلًا صرفته في النكرة عند الأخفش ولم تصرفه عند
سيبَوَيْه. قال الرضي: وأما أخر فإنه جمع أخرى التي هي مؤنث آخر في الأصل وهو أفعل التَّفْضيل
فمعنى أخر في الأصل أشد تأخّرًا وكان في الأصل معنى جاءني زيد ورجل آخر أشد تأخرًا من زيد
في معنى من الْمَعَاني ثم نقل إلَى معنى غيره، فمعنى رجل آخر رجل غير زيد ولا يستعمل إلا فيما
هو من جنس المذكر أولًا. فلا يقال جاءني زيد وحمار آخر ولا امرآة أخرى، ويستعمل أخريات في
الْمَعْنَى الأول ولا يستعمل إلا مع اللام أو الْإضَافَة كما هُوَ حقها نحو جاءني فلانٌ في أخريات
النَّاس أي في الجماعات المتأخّرة، وكذا الأواخر فلما خرج أخر وسائر تصاريفه عن معنى التَّفْضيل
استعملت من دون لوازم أفعل التَّفْضيل أعني من الْإضَافَة وطوبق بالمجرد عن اللام والْإضَافَة ما هُوَ
له نحو رجلان آخران ورجال آخرون وامرأة أخرى وامرأتان أخريان ونسوة أخر. قيل الدليل عَلَى
عدل أخر أنه لو كان مع من المقدر كما في اللَّه أكبر للزم أن يقال بنسوة آخر عَلَى وزن أفعل لأن
أفعل التَّفْضيل ما دام بمن ظاهرة أو مقدرة لا تجوز مطابقته لمن هُوَ له بل يجب إفراده ولا يجوز
أن يكون بتقدير الْإضَافَة لأن الْمُضَاف إليه لا يحذف إلا مع بناء الْمُضَاف كما في الغايات أو مع
ساد مسد الْمُضَاف إليه وهو التَّنْوين كما في حِينَئِذٍ (وَكُلًّا آتَيْنَا) أو مع دلالة ما أضيف إليه تابع لذلك
الْمُضَاف نحو قول الأعشى: إلا علالة أو بلهة سائح. أخذًا من استقراء كلامهم فلم يبق إلا أن يكون
أصله اللام.