قوله: (بالشكيك) أي بإلقاء الشك في قلوب النَّاس في باب الاعتقاد قصدًا لإلقاء
الشر والفساد ولذا قال (والتلبيس) عطفًا عَلَى التشكيك عطف تفسير( [ومناقضة] المحكم
بالمتشابه) لأنهم يضربون الْقُرْآن بعضه ببعض ويظهرون التناقض بين معانيه إلحادًا منهم
وكفرًا. وقيل أو للتشكيك بأنه لو كان منْ عنْد اللَّه لما كان مبهمًا، وهذا التشكيك غير
التشكيك الذي ذكره لأنه تشكيك بأن يتعلقوا بظَاهر المتشابه الذي يخالف الظَّاهر وهذا
التشكيك يكون المتشابه مجملًا مبهمًا لكن ما ذكره المص أوفق للمرام .
قوله: (وطلب أن يؤولوه عَلَى ما يشتهونه) هذا القيد مُسْتَفَاد من القرينة وبمقابلة
قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) الآية. وقد مَرَّ تَوضيحُهُ .
قوله: (ويحتمل أن يكون الداعي إلَى اتباع) أي الداعي إلَى اتباع المتشابه عَلَى الوجه
الغير المرضي فيه إشَارَة إلَى أن العلة علة حاملة وتَحْصيلية (مجموع الطلبتين) وهو
الظَّاهر الْمُتَبَادَر [إذ] العطف بالواو لكن الأول بالتعلق عَلَى ظاهره، والثاني بالتأويل الباطل
وجمعهما معًا مشكل. نعم ابتغاء التأويل يستلزم ابتغاء الفتنة بدون عكس فلذا قدم ابتغاء
الفتنة عليه وقد اعترف به أولًا حيث قال فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل، والحمل عَلَى منع
الخلو خلاف الظَّاهر. قيل كأنه جعل الداعي الطلبتين عَلَى سبيل التوزيع بأن جعل ابتغاء
الفتنة طلبة بعض وابتغاء التأويل طلبة بعض، فعقبه بهذين الاحتمالين وبهذا يندفع الإشكال
الْمَذْكُور، لكن قوله والأول يناسب المعاند يأبى عنه ؛ إذ قيل في تفسيره لأنه لقوة عناده يتشبث
بهما فلا تغفل .
قوله: (أو كل واحد منهما عَلَى التعاقب) أي الداعي أولًا ابتغاء الفتنة ثم ابتغاء التأويل
عقيبه وهذا كالصريح في أن الداعي مجموع الطلبتين معًا من شخص واحد لا عَلَى التعيين .
قوله: (والأول يناسب المعاند) أي العارف للحق المنكر له عنادًا. وجه المناسبة
أن من عرف ما هُوَ الْمُرَاد من المتشابه لا يكون له الداعي إلَى الاتباع ابتغاء الفتنة بدون
ابتغاء التأويل الباطل وبالعكس (والثاني يلائم الجاهل) أي الغير العارف للحق والتأويل
الصحيح وهذا هُوَ الْمُرَاد بالجاهل، وأما الجاهل المُتَعَارَف فليس ممن يبتغي الفتنة
والتأويل لكونه خالي الذهن. وجه الملائمة أن الجاهل لتحيره يتبع المتشابه تارة بتعلقه
بالظَّاهر فيلزمه ابتغاء الفتنة وأخرى بابتغاء تأويله الباطل عَلَى ما يشتهيه لكونه مقهورا
تحت هواه يتبعه كلما دعاه، وأنت خبير بأن ذلك لا يفهم من العبارة في إطلاق واحد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والأول يناسب المعاند والثاني يلائم الجاهل. أما مناسبة الأول للمعاند فلأن زيع
المعاند أشد من زيغ الجاهل ومضاعف؛ لأن طلبة التأويل مُطْلَقًا زيغ، ثم تأويله بالتأويل المشتهى زيغ.
بخلاف الجاهل المقصر فإن زيغه بسيط يكفيه إحدى الطلبتين .