الكَشَّاف كإنشاء شيء من شيء أو تصيير شيء شَيْئًا أو نقله من مكان إلَى مكان انتهى.
وبالْجُمْلَة فيه اعتبار شيئين وارتباط بَيْنَهُمَا وفي الخلق معنى الإيجاد بتقدير وتسوية. مثال
الأول ما في النظم ومثال الثاني قَوْلُه تَعَالَى: (وجَعَلْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) والثالث جعل الماء في
الكوز أي نقل من الحوض إليه فعلم منه أن الْمُرَاد بالتَّضْمين ليس التَّضْمين المصطلح عليه
ثم الظَّاهر أن الْمُرَاد بيان الفرق بَيْنَهُمَا بملاحظة الْمَعْنَى الأصلي وبالنظر إلَى الاسْتعْمَال
الأكثر وإلا فقد يستعمل خلق في مَوْضع يليق أن يستعمل فيه جعل كقَوْله تَعَالَى:(خلقكم
من نفس واحدة وجعل منها زوجها)وقد يستعمل أَيْضًا جعل في مَوْضع خلق
حتى قيل فالفارق اخْتصَاص خلق بمعنى التقدير دون جعل، وأما التَّضْمين كإيجاد شيء من
شيء فمشترك بَيْنَهُمَا انتهى. (ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمات بالجعل) .
قوله: (تنبيهًا عَلَى أنهما لا يقومان بأنفسهما) بل يقومان بغيرهما ففيه اعتبار شيئين
(كما زعمت الثنوية) فإنهم قَالُوا فاعل الخير هُوَ النور وفاعل الشر هُوَ الظلمة. وفساده ظَاهر
لأنهما عرضان فيلزم قدم الجسم، كذا في شرح المواقف لكن كلام المص يفهم منه أن
الثنوية زاعمون أنهما يقومان بأنفسهما أو يلزمهم ذلك الْقَوْل وإن لم يلتزموا وعلى كلا
التقديرين يخالفه كلام السيد قدس سره.
قوله: (إلَى الجنس لكن لا من حيث هُوَ) بل من حَيْثُ تحققه في ضمن الفرد.
قوله: (وجمع الظلمات لكثرة أسبابها) فلا يحسن القصد فيها إلَى الجنس لفوات التَّنْبيه
على كثرة أسبابها والأجرام العاملة؛ إذ ما من جنس من أجناس الأجرام إلا وله ظل وهو الظلمة
كذا في الكَشَّاف وفيه مساهلة؛ إذ الظل هُوَ الضوء الحاصل في الجسم من مقابلة الشيء لغيره
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
معنى التَّضْمين كإنشاء شيء اعتبار الشيئين هاهنا من شيء ومنه قَوْلُه تَعَالَى: (وجعل منها زوجها)
وقال: وَإِنَّمَا حسن لفظ الجعل هاهنا لِأَنَّ النُّورَ وَالظُّلْمَةَ لَمَّا تَعَاقَبَا صَارَ كَأَنَّ كُلَّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنَّمَا تَوَلَّدَ مِنَ الْآخَرِ. قال الراغب جعل لفظ عام في الأفعال كلها وهو أعم من فعل
ويتصرف عَلَى خمسة أوجه أولها يجري مجرى صار وطفق ولا يتعدى نحو جعل زيد يقول كذا
وثانيها يجري مجرى أوجد فيتعدى إلَى مَفْعُول واحد قَالَ الله تَعَالَى:(جعل لكم السمع
والأبصار)وثالثها في إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه قال تَعَالَى(جعل لكم من
أنفسكم أَزْوَاجًا)ورابعها في تصيير شيء عَلَى حالة دون حالة نحو قَوْلُه تَعَالَى:
(الذي جعل لكم الْأَرْض قرارًا) و (جعل لكم الْأَرْض فراشًا) وقوله
تَعَالَى: (والله جعل لكم مما خلق ظلالًا) وقال (إنا جعلناه قُرْآنًا عَرَبِيًّا)
وخامسها الحكم بالشيء عَلَى الشيء حقا قال تَعَالَى:(إنا رادوه إليك وجاعلوه من
الْمُرْسَلينَ)أو باطلًا وقال تَعَالَى: (ويجعلون للَّه البنات) .
قوله: تنبيهًا عَلَى أنهما لا يقومان بأنفسهما. منشأ هذا التَّنْبيه ما دل عليه لفظ جعل من اعتبار
شيء في شيء آخر، ولما كان النور والظلمة عرضين محتاجين إلَى شيء آخر وهو محلهما وما
[ينشآن منهم ناسب] لهما معنى الجعل وهذا معنى مجوز لاسْتعْمَال الجعل فيه ولا بد من مرجح
وذلك المرجح يجوز أن يكون ردًا عَلَى الثنوية القائلين بأن النور والظلمة شيئان قائمان بالذات.