أن يقال إنه اكتفى به لكونه مختارا عنده وأحال عَلَى المقايسة عَلَى ذلك واكتفاؤه بهذا وعدم
تعرضه لعكسه تنبيهًا عَلَى رجحانه عَلَى عكسه ؛ إذ كون الْكتَاب المتحدى به أمر معلوم يليق
أن يكون محكومًا عليه، وأما اتصافه بأنه المؤلف من جنس الخ. وإن كان معلومًا أيضًا
لكنهم لما قَالُوا إنه سحرًا وشعر كأنهم لم يعلموا أنه مؤلف من جنس ما يركبون فكان لائقا
بأن يكون محكومًا به فعدل عن عكسه مع أنه مختار صاحب الكَشَّاف ؛ إذ الاعتبار الْمَذْكُور
وهو تنزيل علمهم بمنزلة الجهل غير جار هنا لإصرارهم عَلَى المتحدي والمعارضة
والمعازة ومن هذا ينكشف حسن ما ذكرناه من أن جعل (الم) مبتدأ تارة وخبرا أخرى لا
يليق هنا ؛ إذ الضابط الذي ذكر في مثل زيد المنطلق والمنطلق زيد اعتباره هنا تكلف(وذلك
الْكتَاب جملة ثانية).
قوله: (مقررة لجهة التحدي) تفصيل ما أجمله أولًا(ولا ريب فيه جملة ثالثة تشهد
على كماله بأنه الْكتَاب)متعلق بقوله مقررة (المنعوت بغاية الْكَمَال) .
قوله: (تشهد عَلَى كماله) أي تبين عليه فالشَّهَادَة مسْتعَارَة له ؛ إذ قد عرفت أن الحصر
المُسْتَفَاد من تعريف المسند حصر الْكَمَال عَلَى وجه المُبَالَغَة كما مَرَّ تَوضيحُهُ واتصافه بغاية
الْكَمَال من جهة لفظه ومعناه فهو معجز من جهتهما وبإعجازه هاد إلَى الطريق الأقوم
بخلاف غيره من الكتب السماوية وهذا معنى قول شارح التلخيص معنى ذلك الْكتَاب أنه
الكامل في الهداية لأن الكتب السماوبة إنما تتفاوت بحسبها لا غير أي لا غير الهداية من
نحو الإعجاز ؛ إذ لا إعجاز لكتب السماوية حتى يكون الْقُرْآن أكمل منها فيه بل ببلاغته
وإعجاز نظمه يَهْدي إلَى أنه منْ عنْد اللَّه تَعَالَى دون سائر الكتب فهذه الْجُمْلَة بمنزلة التَّأْكيد
اللفظي كما نقل عن الشيخ عبد القاهر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
هو أرسخ عرقًا في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحًا وأن يقال قوله اسم جملة برأسها أو
طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها وذلك الْكتَاب جملة ثانية، ولا ريب فيه ثالثة وهُدًى للْمُتَّقينَ
رابعة وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم حيث جيء بها متتابعة هكذا من غير
حرف نسق وذلك لمجيئها مناخية أخذًا بعضها بعنق بعض فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها وهلم جرا
إلى الثالثة والرابعة بيان ذلك أنه نبه أولًا عَلَى أنه الْكَلَام المتحدى به ثم أشير إليه بأنه الْكتَاب المنعوت
بغاية الْكَمَال فكان تقرير الجهة المتحدي وشدا من أعضاده ثم نفَى عنه أن يتشبث به طرف من الريب
فكان شهادة وتسجيلًا بكماله لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة
وقيل لبعض الحكماء فبم لذتك فقال في حجة تتبختر إيضاحا وفي شبهة نتضاءل افتضاحًا ثم أخبر عنه
بأنه (هُدًى للْمُتَّقينَ) فقرر بذلك كونه يقينًا لا يحوم الشك حوله وحقًا لا يأتيه الباطل من
بين يديه ولا من خلفه ثم لم تخل كل واحدة من الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب السابق ونظمت هذا
النظم السري من نكتة ذات جزالة ففي الأولى الحذف والرمز إلَى الفرض بألطف وجه وأرشقه وفي
الثانية ما في التعريف من الفخامة وفي الثالثة ما في تقديم الريب عَلَى الظَّرْف وهي الرابعة الحذف
ووضع المصدر الذي هُوَ هدى مَوْضع الوصف الذي هُوَ هاد وإيراده منكرًا والإيجاز في ذكر المتقين
زادنا اللَّه اطلاعًا عَلَى أسرار كلامه وتثبتا لنكت تنزيله وتوفيقًا للعمل بما فيه تم كلامه .