مقام المعلول في الْجُمْلَة الدعائية الإنشائية عَلَى حد قوله في الْحَديث"أبل وأخلق"أي
عمرك اللَّه ومتعك بلباسك لتبلي وتخلق. وقوله أسلم أي سلمك الله تَعَالَى لتسلم ثم لما
أقيمت العلة مقام المعلول أبقي مسندًا إلَى فاعله، وإن كان المطلوب منه هُوَ الله تَعَالَى.
وهو قريب من قولهم: لا أرينك هنا. أي لا تجلس حتى لا أراك وهو كناية فالأمر هنا
أعني كن وإن كان مسندًا إلَى أبي خيثمة لكن الْمُرَاد منه هُوَ اللَّه تَعَالَى أي اللهم اجعل
هذا أبا خيثمة ليكون القادم علينا أبا خيثمة. فأقيمت العلة أي ليكون القادم مقام المعلول
أعني اللهم اجعله فجعل قوله ليكون بعد إقامته مقام المعلول وجعله أمرًا مسندًا إلَى
فاعله فأريد به تَعَالَى شأنه كما هُوَ شأن الكناية. فقول السهيلي وغيره لفظه لفظ الأمر
ومعناه الدعاء يوافق ما بيَّنه أئمة الأصول من أن الأمر قد يجيء بمعنى الدعاء مثل(رب
اغفر لي)لا معنى مغايره. غايته أن مرادهم هنا كونه بمعنى الدعاء بطَريق الكناية ولا
يستلزم كونه معنى يخالفه (فكان هُوَ ففرح به رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - واستغفر له) .
قوله: (وفي لا يَرْغَبُوا يجوز النصب) بالعطف عَلَى يتخلفوا المنصوب بأن وكلمة لا
هنا زائدة لتأكيد النفي .
قوله: (والجزم) عَلَى أنه نهى وكلمة لا للنهي والظَّاهر أنه عطف عَلَى قوله:(ما كان
لأهل المدينة ومن حولهم)الآية. ويحتمل الابتداء. وفي الكَشَّاف روي أن
ناسًا من الْمُؤْمنينَ تخلفوا عن رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ فمنهم من بدا له وكره مكانه فلحق به
عَلَيْهِ السَّلَامُ كأبي ذر وأبي خيثمة - رضي الله تَعَالَى عنهما - حتى روي أن أبا ذر الغفاري لما
أبطأ به بعيره حمل متاعه عَلَى ظهره واتبع أثر رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ ماشيًا فقال رسول الله
عَلَيْهِ السَّلَامُ لما رأى سواده"كن أبا ذر"فقال النَّاس هُوَ ذلك فقال:"رحم الله أبا ذر يمشي"
وحده ويموت وحده ويبعث وحده"وفيه تفصيل حسن لقصة كعب - رضي الله تَعَالَى عنه - ."
قوله: (إشَارَة إلَى ما دل عليه قوله ما كان من النهي عن التخلف) إذ قَوْلُه تَعَالَى:
(لأهل المدينة) نفي في معنى النهي .
قوله: (أو وجوب المتابعة) إذ النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده. وفي نسخة
ووجوب المشايعة بالشين الْمُعْجَمَة والعين المهملة هي المتابعة ودلالة قَوْلُه تَعَالَى:(ما
كان)الآية. عليه التزامية وعلى النهي عن التخلف مطابقة أو تضمن .
قوله: (بسَبَب أنهم. [لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ] شيء من العطش) إشَارَة إلَى أن التَّنْوين للتقليل، وإنما حمله عليه
ليفيد أن الظمأ اليسير حين لم يخلو عن الثواب الجزيل فلأن يخلو ظمأ شديد بحَيْثُ يستباح
عنده المحرمات عن ذلك الأجر، وكذا الْكَلَام في البواقي وتكرير كلمة لا في (لا مَخْمَصَةٌ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وفي (لا يرغبوا) . يجوز النصب والجزم. أما النصب فلكونه عطفًا عَلَى أن لا يتخلفوا، وأما
الجزم فبأن يكون نهيًا، ولا يلزم عطف الإنشاء عَلَى الْإخْبَار لكون ما قبله في معنى الأشياء فكأنه
قيل: لا يتخلف أهل المدينة ولا يرغبوا .