شعري ماذا يقول في قَوْله تَعَالَى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) .
مع أن التبليغ ليس في وسعه عَلَى ما زعمه فما هُوَ جوابه فهو جوابنا.
قوله: (بأن لهم) أَشَارَ إلَى أن الباء مقدرة في (أن لهم) فإنه المبشر به .
قوله: (سابقة) وإنَّمَا جعلت مؤنثة؛ إذ الْمُرَاد بالسابقة المسعاة الجميلة وهي مؤنثة. قال
الليث: القدم السابقة كما نقله الإمام فالظَّاهر أن هذا مراد المصنف. والْمَعْنَى أن لهم مسعاة
جميلة سبقًا ووصولًا إلَى المنازل الرفيعة والدرجات العالية. وجه التَّسْميَة سيجيء وما قيل
إن سابقة اسم فاعل أي سعادة سابقة في اللوح أو شفاعة سابقة فضعيف ؛ إذ المدح عَلَى ما
كسبوا أولى وأهم ليفيد الترغيب والشفاعة السابقة مختصة بالبعض وادعاؤها للكل مشكل
وقيل سابقة هنا مصدر بوزن فاعلة بمعنى السبق والسبق كالتقديم بمعنى فضلهم عَلَى غيرهم
لما خصوا به من بين سائر الأمم، فالقدم مَجَاز مُرْسَل عن السبق لكونها سببه وآلته والسبق
مجاز عن الفضل والتقدم المعنوي إلَى المنازل الرفيعة فهو مجاز بمرتبتين انتهى. وهذا إنما
يصار إليه إن لم يكن مساغًا لجعلها اسم فاعل ؛ إذ المصدر عَلَى هذا الوزن غير شائع مع أن
المآل واحد واعتبار الْمَجَاز بمرتبتين إذا كان السبق مختصًا بالسبق الحسي، وأما إذا جعل
عامًا له وللمعنوي فلا مجاز إلا بمرتبة، والقدم كما يكون سببًا للسبق الحسي يكون سببًا
للسبق المعنوي لكونها ذريعة إلَى تَحْصيل المبرات .
قوله: (ومنزلة رفيعة) هذا بيان حاصل الْمَعْنَى ولازمه ؛ إذ السبق إلَى المنازل الرفيعة
والمواظبة عَلَى الطاعة يستلزم ذلك بمقتضى الوعد، ولا يبعد أن يكون إشَارَة إلَى معنى آخر
لـ (قدم) صدق فالواو بمعنى أو (سميت قدمًا) أي سابقة سواء أريد بها السبق كما اختاره
البعض، أو المسعاة الجميلة كما سنح لي. وقد سبق الزَّمَخْشَريّ .
قوله: (لأن السبق بها) فذكر السبب وهو القدم وأُريد المسبب أعني السبق أو المسعاة
الجميلة فإنها حاصلة بالقدم أَيْضًا وكلام الْمُصَنّف وإن كان ظاهرًا في الأول لكن الحمل
على الثاني بأدنى عناية أفيد وأولى كما لا يخفى .
قوله: (كما سميت النعمة يدًا لأنها تعطى باليد) فذكر الآلة وهي اليد وأُريد ما هُوَ آلة
له وسبب له وهو النعمة، وهذا يؤيد كون الْمُرَاد بالسابقة والسبق المسعاة الجميلة ؛ إذ هي
أوفق للنعمة من السبق بالْمَعْنَى المصدري لتحققها أَشَارَ إلَى أن معنى الصدق هنا التحقق
والثبوت ؛ إذ أصل الصدق وهو مطابقة الحكم للواقع مختص بالأقوال واسْتعْمَاله في غيره
مجاز بجامع الثبوت . قال الرَّاغب: ويستعمل في الأفعال ويقال صدق في القتال إذا أوفاه حقه
وكذا في ضده كذب فيه يعبر به عن كل فعل ظَاهر وباطن فيضاف إليه كـ مقعد صدق
ومدخل صدق ومخرج صدق ولسان صدق. سأل أن يجعله الله صالحًا بحَيْثُ إذا أثنى عليه
لم يكن كاذبًا كما قال: إذا نحن أثنينا عليك بصالح فأنت كما تثني وفوق الذي نثني. ويستفاد
منه وجه آخر وهو أن إطلاق الصدق وضده عَلَى نحو الأفعال لأنه إذا عبر عنها بالْقَوْل. وقيل