سيان في وجوب كون الضَّمير الراجع إليهما مؤنثًا فلا بد من التأويل بمثل ما ذكر في تلك
القراءة (وَقُرئَ عمد كرسل) .
قوله: (صفة العمد) إذ الْمُرَاد كونها مرئية وإن كانت الرؤية صفة الرائي فهي من قبيل
صفة جرت عَلَى غير ما هي له قيل فالنفي إما للصفة والْمَوْصُوف كما في قَوْله تَعَالَى:(لَا
يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)وأما للصفة فقط فيكون هناك عمد غير مرئية وهو
إمساك الله تَعَالَى بقدرته انتهى. فيكون العمل عَلَى هذا اسْتعَارَة، ولا يخفى عليك أن مآل
الوَجْهَيْن واحد؛ إذ لا منافاة بين نفي العمد الْحَقيقَة وبين إثبات العمد المجازية. وقال بعضهم
ولها عمد عَلَى جبل قاف وهو جبل من زبرجد محيط بالدُّنْيَا ولكنكم لا ترونها فحِينَئِذٍ يظهر
الفرق للوَجْهَيْن لكنهم لم يعتمدوا عَلَى هذا الْقَوْل لعدم ثبوته بالدليل ولأن ما اختاروه أدل
على وجود الصانع الحكيم وعلى قدرته التامة وعلمه الكامل.
قوله: (أو اسْتئْنَاف) أي اسْتئْنَاف نحوي مسوق لبيان ما يفيد العلم أن السَّمَاوَات
رفعت بلا عمد وهو في المعرفة هُوَ المعتمد (للاستشهاد) .
قوله: (برؤيتهم السَّمَاوَات) أَشَارَ إلَى أن الضَّمير حِينَئِذٍ راجع إلَى السَّمَاوَات.
قوله: (كَذَلكَ) إما حال إن حملت الرؤية عَلَى البصرية وهي محط الفَائدَة أو مَفْعُول
ثان إن حملت عَلَى القلبية والاحتمال الأول هُوَ المعول عليه وإما كونه صفة فالضَّمير يرجع
إلى العمد والرؤية بصرية لا تحتاج إلَى القيد، ولذا لم يقيد كَذَلكَ ونحوه هناك ثم الرؤية
كَذَلكَ شاملة للسماوات السبع وإن كانت الرؤية مختصة بسماء الدُّنْيَا.
قوله: (وهو دليل عَلَى وجود الصانع الحكيم) ودليل أَيْضًا عَلَى وحدته وكمال قدرته
وشمول علمه كما أشار إليه في سورة البقرة في قَوْله تَعَالَى:(إنَّ في خَلْق السَّمَاوَات
والْأَرْض)الآية. لكن اكتفى هنا بما ذكره؛ إذ الْكَلَام مسوق لبيان قدرته تَعَالَى
على الإعادة وإمكانها كما كان مسوقًا لبيان المبدأ وسيجيء التَّنْبيه عليه في قوله:(وإن
تعجب فعجب)الآية. مع أن ذكر الشيء لا ينافي ما عداه(فإن ارتفاعها عَلَى
سائر الأجسام).
قوله: (المساوية لها) إذ الأجسام مركبة من الجواهر الفردة وهي متماثلة في تمام
الماهية فكَذَلكَ الأجسام فيقبل كل جسم ما يقبل غيره واخْتصَاص الارتفاع بها دون غيرها
لا بد من مخصص (في حَقيقَة الجرمية) .
قوله: (واخْتصَاصها) أي السَّمَاوَات (بما يقتضي ذلك) أي الارتفاع (لا بد وأن يكون)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ترونها. صفة لـ عمد. وهو قول الزجاج. قال أي بغير عمد مرئية وعلى هذا فعمدها قدرة
الله تَعَالَى. وروي عن صاحب الكَشَّاف يجوز أن يتناول النفي الصّفَة وحدها عَلَى أن ثمة عمدًا إلا
أنها غير مرئية وهو إمساك الشك تَعَالَى إياها لقدرته وأن يتناول الصّفَة والْمَوْصُوف جَميعًا كقوله:
ولا ترى الضب بها [يَنْجَحرُ]