فقال عَلَى أن الأمر مجاز من الحمل عليه كلمة من متعلقة بمقدر أي ناش من الحمل عليه
أي عَلَى الفسق فإنه وجه الشبه كذا قيل. ولا يخفى ضعفه لأن الحمل أو التسبب مُسْتَعَار له
لا وجه الشبه فإن وجه الشبه الإفضاء إلَى الشيء فكما أن الأمر يفضي إلَى المأمور به غالبًا
كَذَلكَ الحمل أو التسبب يفضي إلَى الشيء فذكر الأمر وأريد الحمل أو التسبب فيكون
اسْتعَارَة تبعية، وهذا ظَاهر كلامه ويحتمل اسْتعَارَة تمثيلية بأن شبه الهيئة المنتزعة من أمور
عديدة وهي المترفين وجعلهم النعم الفائضة عليهم ذريعة إلَى الفسق والفجور مع أنهم
أنعموا ليشكروا فعكسوا الحال بالهيئة المأخوذة من الآمر والمأمور والأمر والمأمور به
فامتثل المأمور الأمر لكون المقصود الامتثال ؛ إذ الأمر يفضي إليه فذكر اللَّفْظ الموضوع
للمشبه به وأريد المشبه. وجه الشبه الإفضاء كما ذكرنا من أن الأمر يفضي إلَى المأمور به
والحمل والتسبب كَذَلكَ سبب للشيء ومفض إليه فالأحسن أن يجعل لفظة من بمعنى في
وقيل إنه مَجَاز مُرْسَل نظرًا إلَى قَوْله أو التسبب لكن ليس معناه أن الأمر سبب للحمل وأن
احتمله في الْجُمْلَة بل معناه أن الأمر والحمل كلاهما سببان للإفضاء إلَى الشيء .
قوله: (بأن صب عليهم من النعم ما أبطرهم وأفضى بهم إلى الفسوق) بيان
للحامل أو السبب له من جانب الله تَعَالَى وهذا أيضًا باختياراتهم الجزئية وإلا فصب
النعم ليشكروا لكنهم عكسوا الحال فانجر ذلك الصب إلَى الفسق بسوء صنيعهم، وهذا
معنى الحمل والتسبب له أي للفسق ، والفرق بين الحمل والتسبب غير ظَاهر هنا
فالظَّاهر الترديد في العبارة .
قوله: (ويحتمل أن لا يكون له مَفْعُول منوي كقولك أمرته فعصاني) فينزل أمرنا منزلة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ويحتمل أن يكون فيه مَفْعُول معنوي. يريد به أن لا يكون له مَفْعُول بواسطة الباء وإلا
فله مَفْعُول مذكور بلا واسطة ولذا وصفه بقوله معنوي .
قوله: كقولهم أمرته فعصاني. ليس الْمُرَاد به أمرته بالطاعة فعصاني حتى يكون المأمور به
مَحْذُوفًا مقدرا بل الْمُرَاد وجد مني أمرًا فعصاني، وإنما قلنا المأمور به في أمرته فعصاني ليس مقدرًا
منويًا لأن الْمَحْذُوف المنوي إما الطاعة أو المعصية لا سبيل إلَى الأول لعدم الدليل عليه ولا الثاني
لأن المعصية منافية للأمر ولا يكون منافي الأمر مأمورًا به فإذا كان تقدير الأمرين محالًا فلا بد أن
تجعل أمرته هنا منزلًا منزلة اللازم في حق المأمور به فيصير الْمَعْنَى وجد مني أمرا فعصاني. هذا
تحقيق ما قَالُوا في هذا المقام، وللإمام هنا كلام متين محكم حيث قال: ولقائل أن يقول كما أن قوله
أمرته فعصاني يدل عَلَى أن المأمور به شيء غير المعصية من حيث إن المعصية منافية للأمر ومناقضة
له فكَذَلكَ أمرته ففسق يدل عَلَى أن المأمور به شيء غير الفسق؛ لأن الفسق عبارة عن الإتيان بضد
المأمور به فكونه فسقًا ينافي كونه مأمورًا به، وهذا الْكَلَام في غاية الظهور. أقول هذا كلام حسن مقبول