فهرس الكتاب

الصفحة 5897 من 10841

في وقت الصباح تلك القرة أو الريح أو الغداة بيد الشمال زمامها فكأنها قائدة لها كما تقاد

الإبل بأزمتها وهذا محل الاستشهاد كما قال جعل للشمال يدًا وللقرة ففيه استعارتان

مكنيتان تشبيه الشَّمال بفتح الشين بالرجل القائد والقرة بناقة منقادة وتخييليتان في الزمام

واليد فكَذَلكَ في النظم الجليل أثبت الجناح للذل بناء عَلَى ذلك .

قوله: (وأمره بخفضهم مُبَالَغَة) أي أمر اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بخفضهما مُبَالَغَة لما فيه

من التَرْشيح وهو أبلغ من التجريد، كَمَا صَرَّحَ به علماء البيان وكون التجريد أبلغ في قوله

تَعَالَى: (فأذاقها الله لباس الجوع) للنكتة ذكرت هنا .

قوله: (أو أراد جناحه كقوله تعالى:(وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) . وإضافته

إلى الذل للبيان والمبالغة كما أضيف حاتم إلى الجود، والمعنى واخفض لهما جناحك

الذليل) أو أراد جناحه وفي بعض النسخ وأراد جناحه وهو من طغيان القلم وأيده بقوله

تَعَالَى (واخفض جناحك) الآية. ولما توهم أنه إذا كان الْمُرَاد ذلك فلم

أضيف إلَى الذل فبين وجهه بأن إضَافَته إلَى الذل للبيان أي الْإضَافَة من قبيل إضافة

الْمَوْصُوف إلَى الصّفَة فالذل صفة مبينة للجناح ولذلك قال واخفض جناحك الذليل فـ [حِينَئِذٍ]

يكون اسْتعَارَة مصرحة حيث شبه الجانب إلَى الجناح كجناحي العسكر. قال الْمُصَنّف في

سورة طه اسْتعَارَة من جناحي الطائر سميا بذلك لأنه يجنحهما عند الطيران أي يميلهما

والجنب فيه جنوح الأضلاع أو تمثيلية واعتبار الاسْتعَارَة المكنية بأن شبه المتواضع بالطائر

المنحط عن العلو في الانحطاط عن مرتبه اللائقة وقد أشرنا إليه في أول الدرس لكن

الْمُخْتَار عند الْمُصَنّف هُوَ الأول قوله كما أضيف حاتم إلَى الجود وتقديره حاتم الجواد

وهذا من عجيب البلاغة عند أرباب البراعة لأنه جعل كناية الجود وهنا جعل الجناح بمنزلة

عين الذل فإذا كان الجناح مُسْتَعَارًا للجانب والجنب يكون الخفض تَرْشيحًا إما باقيًا عَلَى

معناه كما هُوَ الْمُخْتَار أو مجاز لمعنى يناسب الجانب وكذا الْكَلَام في صورة كونه اسْتعَارَة

مكنية، وأما إذا جعل خفض الجناح تمثيلًا فلا تَرْشيح ؛ إذ مجموع خفض الجناح الذليل تمثيل

للتواضع وإليه أشار في سورة الشعراء .

قوله: (وَقُرئَ «الذِّل» بالكسر وهو الانقياد والنعت منه ذلول) الذِّل بالكسر يستعمل في

الدواب ولذا قال في الانقياد ومعناه سهولة الانقياد فالنعت منه ذلول قال تَعَالَى:(هُوَ الذي

جعل لكم الْأَرْض ذلولا)الآية. والنعت من الذُّل بالضم ذليل .

قوله: (من فرط رحمتك عليهما) هذا مُسْتَفَاد من اللام الاسْتغْرَاقية الدَّالَّة عَلَى الْكَمَال

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *

قوله: من فرط رحمتك إليهما. جعل من في (من الرحمة) ابتدائية لا بيانية ؛ إذ لو بين الجناح بها

لعادت الاسْتعَارَة إلَى التشبيه التجريدي كقَوْله تَعَالَى:(حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ

الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)قال أبو البقاء: من أجل رفعك لهما فـ مِن متعلقة بـ اخفض ويجوز أن

يكون حالًا من الجناح. وقال صاحب الفرائد: التواضع والتذلل ربما يكونان لأمر آخر لا للرحمة والعطف

فقوله (من الرحمة) معناه من أجل الرحمة يعني يَنْبَغي أن لا يكون ذلك التذلل للخوف أو لأمر آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت