(لأنهم) لا ينافي كون غيرهم أخبث باعْتبَار آخر والخلاف الْمَذْكُور في كلام الإمام لفظي
قال اختلفوا في كفر المنافق والكفر الأصلي أيهما أقبح فقيل الأصلي أقبح لأنه جاهل
بالقلب كاذب باللسان. وقيل غيره أقبح لأن المنافق كاذب أَيْضًا مع زيادة أمور أُخر منكرة
كذا قيل. والْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إن الْمُصَنّف اختار قول من قال إن المنافق أقبح لقوة دليله
ولكونهم معذبين بالدرك الأسفل من النَّار وهو أشد عذابًا من عذاب سائر الفجار وهذا
معنى كونهم أخبث الكفرة وأبغضهم، ولا يخفى أن إثارة الفتنة وإفشاء حال الْمُسْلمينَ بسبب
إطلاع أسرارهم داخل في قوله لأنهم (موهوا الكفر) وهذا أشد أذى من أذى الْمُشْركينَ
بالسب والمحاربة لأنه إفساد في الدين والْقَوْل بأنهم من الْيَهُود وهم أشد عداوة حيث قدم
ذكر الْيَهُود عَلَى الْمُشْركينَ في النظم الجليل فهم أخبث الكفرة كلام خطابي، وأما قول الإمام
الغزالي والمنافق كفر وستر فكان ستره لكفره كفرًا آخر فداخل في كلام الْمُصَنّف قوله لأنهم
موهوا الخ. التمويه الطلاء بماء [الذهب] والفضة يقال موهت الشيء طليته بماء الذهب أو
الفضة، والْمُرَاد به الستر والإخفاء اسْتعَارَة شبه سترهم الكفر بالإيمان بستر الشيء القبيح الردي
بالذهب أو الفضة ففي موهوا اسْتعَارَة تبعية (وخلطوا به) أي بالكفر (خداعًا) بكسر الخاء أي
مخادعة كما قال الله تَعَالَى: (يخادعون الله والَّذينَ آمَنُوا) الآية. (واسْتهْزَاء) أي
وخلطوا به اسْتهْزَاء كما قال الله تَعَالَى حكاية عنهم (إنما نحن مستهزءون) .
قوله: (ولذلك) أي ولكونهم أخبث الكفرة للعلة الْمَذْكُورة (طول في بيان خبثهم)
حيث بين حالهم في ثلاث عشر آية يذكر ادعائهم إحاطة الإيمان من جانبي المبدأ والمعاد
ومخادعتهم ومرض قلوبهم وزيادته فيها وكونهم معذبين سبب كذبهم أو بدله وإفسادهم
وادعائهم الإصلاح وإفسادهم في الْأَرْض (وجهلهم) بما هُوَ كالمحسوس قال الله تَعَالَى:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: لأنهم موهوا الكفر الخ. التمويه من موهت الشيء أي طليته بذهب فقوله لأنهم موهوا
الكفر وخلطوا به خداعًا واسْتهْزَاء بقليل لكونهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلَى الله لأن كفرهم
مضاعف بالنسبة إلَى الماحضين لأن إنكارهم الحق لقلوبهم كفر وضمهم إلَى ذلك أمر آخر وهو
الخداع والاسْتهْزَاء كفر آخر عَلَى أن مجرد قولهم آمَنَّا بالله وبالْيَوْم الْآخر لو فرضا أنهم أقروا به لا
على وجه النفاق كان كفرا فقولهم ذلك عَلَى وجه النفاق كفر مضاعف بخلاف قولهم آمَنَّا بالنبي
وكتابه لأنه لو فرضناهم يقولون به لا عَلَى وجه النفاق لا يكون كفرًا بل إيمانًا وهذا هُوَ الْمُرَاد من
تَخْصيص الإيمان باللَّه وبالْيَوْم الْآخر بالذكر من بين سائر ما يجب به الإيمان لما في هذا التَّخْصِيص
من الكشف عن إفراطهم في الخبث وتماديهم في الفجور وانهماكهم في الضلال لأن القوم كانوا
يهودا وإيمان الْيَهُود باللَّه ليس بإيمان لقولهم عزير ابن الله وكذا إيمانهم بالْيَوْم الْآخر لأنهم يعتقدون
على خلاف صفته كاعتقادهم بأن نعيم أهل الجنة بالنسيم والأرواح العبقة .
قوله: ولذلك طول في بيان خبثهم أي لكونهم أخبث الكفرة طول عز وجل في بيان خبثهم
فمعنى اللامين في لأنهم ولذلك أن الأولى لتعيل زيادتهم في الخباثة عَلَى سائرهم بتضاعف
كفرهم والثانية لتعليل التطويل في بيان حالهم بتلك الزّيَادَة وكان الأنسب لبلاغة الْقُرْآن أن يختار
لفظ أطنب مكان طول قوله وسجل عَلَى عمههم العمه عدم البصيرة كما أن العمى عدم البصر .