وإن كانت شناعتهم متفاوتة فإن الجمل الأولى مسوقة لتقبيح حال المصرين عَلَى الكفر بأنه
لا ينفع فيهم الدعوة والإنذار والثانية مسوقة لتقبيح حال الْمُنَافقينَ ببيان تضاعف كفرهم
بسَبَب تمويههم الكفر وضمهم إليه المخادعة والمفسدة ولتباين الغرضين في قَوْله تَعَالَى:
(إنَّ الَّذينَ كَفَرُوا) الآية. ترك العطف هناك، كَمَا صَرَّحَ به .
قوله: (والنَّاس أصله أناس) بضم الهمزة وزنه فُعال بضم الفاء بدليل أمثلة اشْتقَاقه كما
أشار إليه بقوله (لقولهم إنسان وإنس وأناسي فحذفت) فاؤه وهو (الهمزة) فوزنه عالٍ لكن
الحذف ليس بلازم فلذا جاء قَوْلُه تَعَالَى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بإمَامهمْ)
الآية. فنقصه وإتمامه جائزان في النكرة فإذا عرف باللام فالأكثر حذفه ويجوز عدم حذفه
على قلة كما ستراه استشهد لكون أصل ناس أناس بوجود الهمزة في المفرد وهو إنسان
وإنس وبوجودها أَيْضًا في الجمع وهو أناسي بفتح الهمزة لأن الجمع يرد الأشياء إلَى
أصله قال المص في سورة الفرقان وأناسي أصله أناسين فقلبت النون ياء جمع إنسي أو
إنسان. وقيل الأناسي جمع إنسي عَلَى الْقيَاس مثل كرسي وكراسي أو إنسان وأصله أناسين
فأُبدلت النون ياء وأدغمت نظيره كسرحان وسراحين ودلالة المفرد عليه غير ظاهرة
والنَّاس اسم جمع كما سيجيء لا مفرد له من لفظه كقوم ورهط وهذا مذهب سيبَوَيْه
والقراء وقال الكسائي أصله نوس من ناس ينوس إذا اضطرب سمي بذلك لكونه ذا
اضطراب زائد عَلَى غيره إما ببدنه أو فكره بدليل مجيء مصغره نويس ولو كان أصله
أناس لكان مصغره أنيس بتشديد الياء والْجَوَاب بأن ما حذف منه شيء إن بقي عَلَى ما
يتأتى منه المصغر لم يرد عَلَى أصله .
قوله: (حذفها في لوقة) فإن أصلها الوقة حذفت الهمزة للتخفيف وهي الزبد بالرطب
وقيل الزبد وحده. وقيل لوقة لغة أخرى ؛ إذ يقال لوق الطعام إذا أصلحه بالزبدة وهذا يدل
على أن اللوقة لغة أخرى وإن فاء الكلمة في لوقة هي اللام لا الهمزة الْمَحْذُوفة إلا أن
صاحب الكَشَّاف اختار أن أصل لوقة الوقة وتبعه المص .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: حذفها في لوقة. قال الْجَوْهَريُّ: إن اللوقة بالضم الزبدة ونقل عن الكسائي لوق طعامه
إذا أصلح بالزبد ويقال لا أكل إلا ما لوق أي لين حتى يصير كالزبد قال ابن الكلبي هُوَ الزبدة
بالرطب وفيه لغتان لوقة والوقة حكاه عنه أبو عبيد وذكر في مَوْضع آخر الألوقة طعام يصلح بالزبد
وأنشد قوله الشاعر
حديثك أشهى عندنا من الوقه ... يعجلها طيان شوان للطعم
وأنشد:
وأتي لمن سالمتم لا لوقة ... وأني لمن عاديتموه أسود
وفي الأساس ويقال لوقة بطرح الهمزة ولوق الطعام فيه وفي الْحَديث"ولا أكل إلا ما"
لوق"وهو لا يأكل إلا الملوق ولا يشرب إلا المروق ذكر في الهمزة مع اللام ولم يذكر في اللام"
مع الواو شَيْئًا مع القاف فظهر أنه جعل لوق الطعام مأخوذًا من لوقة تخفيف الوقة .