الفَائدَة في الْإخْبَار بأنه من الْمُؤْمنينَ من يصل إلَى هذه المرتبة العليا وكبار المحشيين
استصعبوا ذلك فبعضهم ذهب إلَى أن الأولى أن يجعل الجار والمجرور مبتدأ أي بعض
النَّاس أو بعض من النَّاس من هُوَ كذا وكذا فيكون مناط الفَائدَة تلك الأوصاف واختاره
النحرير التفتازاني فيكون حِينَئِذٍ كلمة من اسما بمعنى البعض لا حرف جر. قال الفاضل عبد
الرحمن الآمدي في تعليقاته عَلَى الحاشية للفاضل العصام نقل المحشي في حاشيته لشرح
العقائد النسفية عن شرح الكَشَّاف للمحقق التفتازاني إن جعلت (مِنْ) تبعيضية محكومًا عليها
اسمًا مما استخرجه الشارح من الْقُوَّة إلَى الْفعْل انتهى. فحِينَئِذٍ لا حاجة إلَى جعل الظرف
مؤولًا بما يصح جعله مبتدأ بل يجعل من فقط مبتدأ انتهى. فيندفع الإشكال بأنه يدل عَلَى
كون من بمعنى البعض فيكون اسمًا لكنهم ذكروا كون من اسما بمعنى الجانب وما أطلعنا
على أنهم ذكررا كونه اسمًا بمعنى البعض انتهى. وجه الاندفاع أن المحقق التفتازاني وإن
لم يكن من أئمة العربية لكنه فهم من كلام من يوثق به في العربية ذلك فاستخرج من الْقُوَّة
الى الْفعْل ومن الإشَارَة إلَى التصريح. وقيل في توجيه كلامه أنه ليس الْمُرَاد كون من اسما
بمعنى البعض بل هي حرف جر ومعنى البعض مأخوذ من مجموع الجار والمجرور بحسب
التأويل كما تنادى عليه عبارته انتهى. ومال إليه الكثيرون وأبدوا قول الحماسي.
منهم ليوس لا ترام وبعضهم ... مما قمست وضم جعل الحاطب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
لكن خص كل صنف بفن من الفنون لا سيما أنه خص هذا الصنف بمبالغات وتشديدات لم تخص
الصنفين بها كما قرره صاحب الكَشَّاف والقاضي رحمهما الله وأبرز أَيْضًا نفس التركيب إبرازًا غريبا
حيث قدم الخبر عَلَى المبتدأ وأبهمه غاية الإبهام ونكر المبتدأ ووصفه بصفات عجيبة ليشوق السامع
إلى ذكر ما بعده من قبائحهم ونكرهم نعيًا عليهم وتعجبًا من شأنهم يعني انظروا إلَى هَؤُلَاء الخبثة
وقبح ما ارتكبوه كَيْفَ اختصوا من بين سائر النَّاس بما لم يرض العاقل أن ينسب إليه. نعم لم يفد
شَيْئًا أن لو أريد مجرد الْإخْبَار ونظيره قَوْلُه تَعَالَى:(منَ الْمُؤْمنينَ رجَال صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ
عَلَيْه)أي امتازوا من بين سائر الْمُؤْمنينَ بهذه المناقب الشريفة رجال كرماء فدل
التنكير في رجال عَلَى تعظيم جانبهم كما دل الإبهام في من يقول عَلَى خلاف ذلك هَاهُنَا، وأما إذا
حمل التعريف في النَّاس عَلَى العهد يقال الْمُرَاد بالمتقين من شاهد حضرة الرسالة من الصحابة
المنتخبين وينصره تقدير إرادة أهل الْكتَاب أعني عبد الله بن سلام وأصحابه من قوله:(والَّذينَ
يُؤْمنُونَ بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك)مَعْطُوفًا عَلَى قوله:(الَّذينَ يُؤْمنُونَ بالغيب
ويقيمون الصلاة)فعلى هذا يحمل قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) عَلَى
قوم بأعيانهم كأبي جهل وأبي لهب والوليد وأحزابهم وأن يراد بقوله: (ومن النَّاس من يقول آمَنَّا)
عبد الله بن أبي ومعقب بن قشير وجد ابن قيس وأشباههم، فلا وجه إذن لقول من قال
ويحتمل أن تكون مَوْصُوفة لأن من نكرة والقوم معهودون ثم قَالَ رحمه الله ثم إني بعد برهة من
الزمان وقعت عَلَى ما أشار إليه صاحب الكَشَّاف في قَوْله تَعَالَى:(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا
يَقْدرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ منَّا رزْقًا حَسَنًا)الآية. بقوله أن من مَوْصُوفة كأنه قيل
وحرًا رزقناه ليطابق عبدًا ولا يمتنع أن تكون موصولة يريدان الآية. من باب التضاد فالظَّاهر أن