من الدم جامدة والمضغة قطعة من اللحم وشتان ما بَيْنَهُمَا. قوله وهي في الأصل قدر ما يمضغ
إشَارَة إلَى وجه التَّسْميَة. قوله قدر ما يمضغ تنبيه عَلَى أنها ليس مما يمضغ بل قدر ما يمضغ .
قوله:(مسواة لا نقص فيها ولا عيب وغير مسواة أو تامة وساقطة أو مصورة وغير
مصورة)مسواة معنى مخلقة من خلق العود إذا سواه، والْمُرَاد التسوية المعنوية ولذا قال لا
نقص فيها ولا عيب وغير مسواة معنى وغير مخلقة. أي فيه نقص وعيب وهذا بيان في ابتداء
خلقه لا في مآله. قوله أو تامة أي تامة مدة حملها لا تامة الأعضاء بقرينة وساقطة معنى غير
مخلقة أو مصورة وغير مصورة وجري عادة الله تَعَالَى بخلق المضغة متفاوتة في التسوية
والتعديل بالْمَعْنَى الْمَذْكُور وعن هَاهُنَا ترى النَّاس متفاوتة في الصورة والقامة والشكل
والصورة وتمام الأعضاء المتناسبة أو غير المتناسبة ونقصان الأعضاء مع أنها مخلوقة من
ماء واحد إما بالشخص أو بالصنف، وهذا مما يتحير فيه العاقلون فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.
وهذا كله ظَاهر سوي. قوله مصورة أو غير مصورة لأن كل ما تم خلقه فهو مصور لا
محالة قال تَعَالَى: (وصوركم فأحسن صوركم) الآية. وما لم يتم خلقه ولم
يصور لا يقال له الْإنْسَان وإن أريد أحد الْمَعَاني الْمَذْكُورة فيكون تكرارًا بلا فَائدَة .
قوله: (بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا) التدريج مُسْتَفَادة من التَّعْبير بـ ثم مع أن الواقع
كَذَلكَ. قوله قدرتنا أي كمال قدرتنا وجه دلالة التدريج عَلَى القدرة التامة مع أن الدال عليها
الخلق عَلَى أحسن صورة وقوى مدركة وأعضاء متناسبة سواء كان بالتدريج أو بالدفع لأن
النقل من حال إلَى حال ومن خلقة إلَى خلقة مع أن بَيْنَهُمَا تباينًا أدل دليل عَلَى كمال قدرته
وحكمته ولا يلزم منه أنه لو خلقه دفعة لا يدل عَلَى القدرة التامة، ولا حاجة إلَى أن يقال إن
القدرة ثابتة بأصل الخلق والْحكْمَة بالتدريج بل لا وجه له لما عرفت من أن النقل من حال
إلى حال مباينة لها أظهر دلالة عَلَى القدرة، وكلام المص يدل علي ما ذكرناه حيث قال وإن
من قدر عَلَى تغييره الخ.
قوله: (وأن ما قبل التغير والفساد والتكون مرة قبلها أخرى) وأن ما قبل الخ. عبر بما
لأن حال التغير لا يكون فيها عاقلًا. قوله والفساد تفسير التغير وهو تغير التراب إلَى الأغذية
وهي إلَى النطفة، والْمُرَاد بالتكون تكون الأغذية من التراب وتكون النطفة من الأغذية وهكذا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: قدرتنا وحكمتنا وأن ما قبل التغير والفساد والتكوين مرة قبلها أخرى وأن من قدر عَلَى
تغييره وتصويره أولًا قدر عَلَى ذلك ثانيًا. هذا بيان للمَفْعُول الْمَحْذُوف لقوله (لنبين) فهذا الْكَلَام دليل
وبرهان قاطع عَلَى صحة البعث حيث بين فيه أن في الْإنْسَان قابلية التأثر واستعداد الانفعالات
المتعاقبة وإن في الموجد كمال القدرة عَلَى الإيجاد فإذا اجتمع في شيء هذان الأمران يحصل بعد
تعلق إرادة الْفَاعل ووجود المقدور لا محالة فتكون هذه الآية حجة مزيلة لريب من ارتاب في
صحة البعث .