كونه بمعنى مفعل بكسر العين اسم فاعل فليس بثابت عند الزَّمَخْشَريّ وتبعه الْمُصَنّف هنا إذ
لو حمل الْمُصَنّف عَلَى اسم الْفَاعل لم يكن في الإسناد مجاز ويكون قوله كقولهم تحية
بينهم الخ. وجدَّ وجدّه ضائعًا فمن قال إن الكسر إن لم يتعين فلا شبهة في صحته الخ. فقد
عدل عن النهج القويم (كوجع فهو وجيع) .
قوله: (وصف به العذاب للمُبَالَغَة كقوله: تحية بينهم ضرب وجيع) هُوَ من قصيدة
طويلة لعمرو بن معدي كرب ومحل الاستشهاد ضرب وجيع جعل الضرب ذا وجع مع أنه
سبب إلقاء الوجع إلَى المضروب وكَذَلكَ جعل العذاب متألمًا وذا ألم مع أنه موقع للألم
للمعذب فالإسناد فيهما مجاز عقلي أشار إليه بقوله (عَلَى طريقة قولهم جدَّ جده) لكن
بَيْنَهُمَا فرق من جهة إن جدَّ جده من قبيل الإسناد إلَى مصدر الْفعْل وهنا ليس كَذَلكَ ولذا
قال عَلَى طريقة قولهم الخ. والْقَوْل بأن العذاب هُوَ الألم الشديد فيكون من قبيل جد جده إذ
حاصله ألم ألمه ضعيف؛ إذ الْمُرَاد بالعذاب العقاب بنحو النَّار فليس عين الألم بل مستلزم له
ولو أريد به الألم الفادح لتم البيان لكن الشائع في عرف الشرع عذاب النَّار وغيره فالظاهر
أنه من قبيل سيل مفعم للمُبَالَغَة كأنَّ العذاب [بلغ] في إيلام العصاة مبلغًا لا يعرف قدره حتى
صار نفس العذاب والعقاب ذا ألم ومتألمًا والتحية التعظيم ومضافة إلَى بينهم مجرور بكسر
النون. قال الْمُصَنّف في قَوْله تَعَالَى: (حتى إذا بلغ بين السدين) الآية. وبين
هنا مَفْعُول به وهو من الظروف المنصرفة انتهى. فمن ادعى أنه لازم الظرفية بقول تحيتهم
فيما بينهم عَلَى حذف الْمَفْعُول به وإسناد ضرب وجيع إلَى تحية ليس بحَقيقَة ولا مجاز عند
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
في الإسناد وهو في الْحَقيقَة صفة المعذَّب بفتح الذال مُبَالَغَة وجه المُبَالَغَة إفادة أن الألم بلغ الغاية
حتى سرى من المعذب إلَى العذاب المتعلق به عَلَى منوال قوله تحية بينهم ضرب وجيع حيث
وصف الضرب بالوجيع والْمَوْصُوف به حَقيقَة هُوَ المضروب لا الضرب لكن لما كان بين
المضروب والضرب ملابسة بولغ في اتصاف المضروب بالوجع فأسند إلَى الضرب المتعلق به
فكأن الوجع سرى منه إليه أول البيت وخيل قد دلفت لهم بخيل أي رب أصحاب خيل دلفت أي
دنوت والباء في بخيل للتعدية. والْمَعْنَى رب جيش قربت إليها جيشًا وكَذَلكَ قولهم جدَّ جده فإن
الجد في الْحَقيقَة إنما هُوَ للجاد لكن أسند إلَى الجد مَجَازًا إيذانًا بأن جدّ الجاد في الأمر قد بلغ
إلى حيث يجد جده. وقيل يجوز أن يكون أليم بمعنى مؤلم كالسميع بمعنى المسمع والنذير بمعنى
المنذر والبديع بمعنى المبدع وأنشد الزجاج لعمرو بن معدي كرب:
أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع
قال الْجَوْهَريُّ: السميع المسمع لكن الزَّمَخْشَريّ لم يرتض هذا الوجه ولم يجوزه لبيان ألم لازم
كوجع وإن الألم في معنى الإيلام ليس بثبت عَلَى ما قيل في (بديع السَّمَاوَات) فإن
قيل تفسير أليم بمؤلم عَلَى صيغة اسم الْمَفْعُول كما فعله القاضي هَاهُنَا والزَّمَخْشَريّ في الكَشَّاف يشعر
بأن الأليم في الآية. من الألم بمعنى الإيلام وأن أليم فعيل بمعنى مَفْعُول. قلنا هذا تفسير باللازم فإن
أصل معنى أليم شيء أصابه ألم وشيء ذو ألم ويصح أن يقال الشيء ذي ألم أنه مؤلم بناء عَلَى أن
جميع الآثار والأفعال لازمها ومتعديها بإيجاد الله تَعَالَى وخلقه.