بطائفين متعاديتين يريد كل منهما البغي عَلَى الآخر لكنهما امتنعا من ذلك لمانع قوي مجبر
فهي مصرحة تمثيلية بولغ فيه هنا حيث جعل الْمَعْنَى المُسْتَعَار كالملفوظ المقول كأن كلًا
منهما يتعوذ من صاحبه فانقلبت المصرحة مكنية ولذا كانت من أحسن الاستعارات فلما
منعها الله تَعَالَى من الاختلاط شبه ذلك المنع بجعلهما قائلين هذا الْقَوْل فعبر بأنه جعل
بَيْنَهُمَا هذه الكلمة عن ذلك، كذا نقل البعض عن شرح الكَشَّاف، ثم قال وظَاهر تقريرهم أنه
لا تقدير وقد جعل بعضهم عَلَى هذا حجرًا محجورًا منصوبًا بالْقَوْل المقدر، وَلَا بُعْدَ فِيهِ
انتهى. وظَاهر كلام المص أنه جعل أولًا مَجَازًا مرسلًا عن تنافر تام فتعلق الجعل بالتنافر مما
لا كلام فيه ثم أشار إلَى أنه يمكن أن يكون اسْتعَارَة تمثيلية لأن قوله كأن كلًا الخ. نص في
التشبيه شبه الهيئة المنتزعة من البحرين ومجاورة أحدهما بالآخر بحَيْثُ يكاد لا يَبغي
أحدهما عَلَى الآخر لكنه يمنعه مانع قوي بالهيئة المنتزعة من الشخصين المتعاديين القريبين
يريد أحدهما البغي عَلَى الآخر قائلًا حجرًا محجورًا لكنهما لم يقدرا عَلَى ذلك لمانع قوي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الكلمة التي يقولها المتعوذ، وقد فسرناها وهي هَاهُنَا واقعة عَلَى سبيل الْمَجَاز كأن كل واحد من
البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له حجرًا محجورًا كما قال (لا يَبغيان) أي لا يَبغي أحدهما عَلَى
الآخر [بالممازجة] لانتفاء البغي ثمة كالتعوذ هَاهُنَا جعل كل واحد منهما في صورة الباغي عَلَى
صاحبه فهو يتعوذ منه وهي من أحسن الاستعارات وأشهدها عَلَى البلاغة. وقال الطيبي: لما كان هذا
الْمَجَاز اسْتعَارَة والاستعارة مسبوقة بالتشبيه قال في صورة الباغي شبه البحران بطائفتين متقابلتين
يريد كل واحدة صنهما بغي صاحبتها ومصادفتها ثم إنهما امتنعا من ذلك لمانع قوي ودافع مجبر
كما يقال ثمة لامتناع الاختلاط أنهما (لا يَبغيان) كَذَلكَ قيل هاهنا حجرًا محجورًا فهو اسْتعَارَة مصرحة
تمثيلية ثم بولغ هَاهُنَا حيث جعل هذا الْمَعْنَى المُسْتَعَار كالملفوظ والمقول كما قال كأنَّ كل واحد
من البحرين يتعوذ من صاحبه فانقلبت المصرحة مكنية ولا ارتياب؛ إذ الاسْتعَارَة كلما كانت أبعد من
التشبيه وأوغل في التخييل كانت أحسن وأن المكنية أبعد من المصرحة، فكما أن التشبيه للمصرحة
كَذَلكَ المصرحة مقدمة للمكنية فإنك تقول أولًا المنية سبع ثم تدخل المشبه في جنس المشبه به
في المصرحة، وإذا أردت المُبَالَغَة جعلت المشبه به عين المشبه في التخييل، ثم تتخيل له لازمه قائلًا
أنياب المنية أنشبت بفلان كَذَلكَ هَاهُنَا جعل كل واحذف البحرين بعد تشبيههما بطائفتين متقابلتين
وإدخال المشبه في جنس المشبه به إدخالًا بليغًا في صورة الباغي عَلَى صاحبه فهو يتعوذ منه ولهذا
قال وهي من أحسن الاستعارات. وأقول هذا الذي ذكره الطيبي رحمه الله مبني عَلَى أن يكون قولك
زيد أسد من باب الاسْتعَارَة وهو ليس باسْتعَارَة عند محققي علماء البيان بل هُوَ تشبيه بليغ فإن
الاستعارة مبنية عَلَى تناسي التَّشبيه وذكر المشبه ينافي ذلك.