مؤوفة وقلوبهم مطبوعة بانهماكهم في الغي، وهذا أي ما ذكر في الآية الكريمة من الشك
والعمى وغير ذلك وإن اختص بالْمُشْركينَ أي بالْكَافرينَ بأسرهم. قوله نسب إلَى جميعهم
الخ. كذا في الكَشَّاف وقد تقدم مثله في سورة مَريَم في قَوْله تَعَالَى:(وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا
مِتُّ)الآية. وقَوْلُه تَعَالَى: (فَوَرَبّكَ لنحشرنهم) لكنه لا يناسب
حسن الأدب لأنه تشريك الموحدين الْكَافرينَ في نسبة أشنع الشنائع مما [يحير] العقول
ويسكب فيه عيون الفحول فما الباعث عَلَى ذلك مع أن الضَّمير يصح رجوعه إلَى الكفرة
فقط كما اعترف به، عَلَى أن أكثر العلماء اشترطوا في تلك النسبة رضاء الباقين. فالصواب أن
يرجع الضَّمير إلَى الكفرة هنا وحمل اللام عَلَى العهد هناك .
قوله: (والإِضرابات الثلاث تنزيل لأحوالهم) أي من حال إلَى أنزل منها وأبعد ؛ إذ
الثاني أبعد من الأول، والثالث أبعد من الثاني، ولا ريب في انتفاء علمهم بالْآخرَة كما يَنْبَغي
بعد تكامل أسباب العلم أنزل وأبعد من انتفاء علمهم بوقت البعث؛ لأنه لم يلاحظ فيه
الدليل وإن كانت موجودة .
قوله:(وقيل الأول إضراب عن نفي الشعور بوقت القيامة عنهم إلى وصفهم باستحكام
علمهم في أمر الآخرة تهكمًا بهم). وقيل الأول إضراب الخ. والفرق أن علمهم في أصل
معناه بلا تقدير الْمُضَاف مرضه لعدم القرينة، وأما عدم كون الإضرابات عَلَى نسق واحد فلا
ضير فيه .
قوله:(وقيل أدرك بمعنى انتهى واضمحل من قولهم أدركت الثمرة لأن تلك غايتها التي
عندها تعدم). وقيل أدرك بمعنى انتهى. الخ. عطف عَلَى قوله بين أن ما انتهى. الخ. أي انتهى.
واضمحل كما أن الْمَعْنَى في الأول انتهى. وتكامل والإضرابات الثلاثة مثل ما مر. والْمَعْنَى
اضمحل علمهم في الْآخرَة. أي في شأن الْآخرَة أي لم يتحقق مع وضوح دلائله وتكامل
أسبابه ، مرضه لأن الاضمحلال العدم بعد الوجود وهنا لم يتحقق العدم قطعًا فيكون
الاضمحلال عبارة عن الانتفاء رأسا مَجَازًا بطَريق ذكر المقيد وإرادة المطلق .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
وبين الآيات الثلاث الأخيرة المثبتة للمشركين إنكار البعث هُوَ أنه تَعَالَى لما ذكر أن العباد لا
يَعْلَمُونَ الغيب ولا يشعرون وقت البعث الذي يكون فيه وكان هذا بيانًا لعجزهم ووصفًا لقصور
علمهم وصل به أن عندهم عجزًا أبلغ منه وهو أنهم يقولون للأمر الذي لا بد أن يقع وهو وقت
جزاء أعمالهم أنه لا يقع مع أن عندهم أسباب العلم بوقوعه واستحكام المعرفة به .
قوله: وقيل أدرك بمعنى انتهى واضمحل. فسر رحمه الله (بل ادَّارك علمهم في الْآخرَة)
بثلاثة أوجه مآل الكل إلَى نفي علمهم بالْآخرَة، لكن النفي في الوَجْهَيْن الأولين ضمني وفي
الوجه الثالث صريح .