فهرس الكتاب

الصفحة 7729 من 10841

الثاني والاعتراض بأن هذا الْمَعْنَى أي أحسبوا تركهم غير مفتونين

لقوله: (آمَنَّا) يقتضي أنهم تركوا غير مفتونين لأن الْكَلَام في العلة وهي مصب الإنكار

مدفوع ؛ إذ لا اعتبار لمفهوم المخالفة عند تعارضه المَنْطُوق عند القائل به ؛ إذ قَوْلُه تَعَالَى:

(ولقد فتنا الَّذينَ من قبلهم) ناطق بأنهم مفتونون لكونه عادة الله تَعَالَى.

وأما عندنا فلا مفهوم فلا نحتاج إلَى الاعتذار. وأُجيب عنه بأنه إنما يلزم ما ذكر لو كان ما

ذكر متعينًا في التقدير أما لو قدر أحسبوا تركهم غير مفتونين بمجرد قولهم: (آمَنَّا)

دون إخلاص وعمل صالح استقام ذلك، كَمَا صَرَّحَ به الزجاج، وأنت خبير

بأن هذا الْجَوَاب فيه تسليم فساد التقدير الْمَذْكُور مع أن الشيخين اختارا ذلك التقدير

فاعترض عَلَى ظاهره. والْجَوَاب إنما يكون يدفع المحذور الْمَذْكُور والعدول عن هذا التقدير

واختيار التقدير الآخر فلا يسمى جوابًا عنه، وهو ظَاهر عَلَى أن هذا التقدير فيه اعتبار

الْمَحْذُوفات الكثيرة بدون القرينة القوية، وَأَيْضًا باعث الافتتان مجرد قولهم: (آمَنَّا) أي

نطقهم بكلمتي الشهادتين، ولذا لم يلتفت إليه الْمُصَنّف وإن قال به الزجاج .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *

جعلوا مفتونين ثم علل هذا الإثباب بقوله: (أن يقولوا آمَنَّا) فالْمَعْنَى جعلوا

مفتونين لقولهم آمَنَّا. فحاصل معنى (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)

أحسبوا أن لا يفتنوا لقولهم آمَنَّا. ويرجع هُوَ إلَى إنهم يفتنون لقولهم آمَنَّا، فاعتبرنا

القيد الذي هُوَ أن يقولوا آمَنَّا بعد اعتبار النفي ليكون قيدًا للنفي وعلة له فمعنى قوله أحسبوا

تركهم غير مفتونين لقولهم آمَنَّا لا يَنْبَغي لهم أن يحسبوا تركهم غير مفتونين حاصلًا فالنفي

بالهمزة لا يتجاوزه فيؤدي إلَى أنهم يفتنون ثم قيد بقوله (أن يقولوا آمَنَّا) أي يفتنون لقولهم هذا

فالْمُرَاد بهذا القيد تعليل النفي لا نفي التعليل. فإن قلت: هُوَ تعليل الْإثْبَات لا تعليل النفي لأنك

قدرت أن خاص الْمَعْنَى يفتنون لقولهم آمنا. قلت ذلك الْإثْبَات توجيه نفي النفي فيرجع القيد إلَى

النفي، ونظر صاحب التقريب مبني عَلَى اعتبار القيد قبل اعتبار النفي فيؤول الْمَعْنَى إلَى نفي القيد

فيرد السؤال الْمَذْكُور وقبل في جواب هذا السؤال الْمَذْكُور أن دلالة المفهوم الذي ذكره من أن

الْكَلَام في العلة مهجورة لأن الْكَلَام مع قوم مَخْصُوصين كقَوْله تَعَالَى:(لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا

مُضَاعَفَةً). قال الرَّاغب: الترك رفض الشيء قصدًا واختيارًا أو قهرًا واضطرارًا

فمن الأول قوله: (وتركنا بعضهم يومئذٍ يموج في بعض) ومن الثاني قوله:

(كم تركوا من جنات وعيون) ومنه تركة فلان لما يختلفه بعد موته وقد يقال في

كل فعل تنتهي به إلَى ماله نحو تركته كذا ويجري مجرى جعلته كذا، ومراد صاحب الكَشَّاف من

قوله: لأنه من الترك الذي هُوَ بمعنى التصبر هُوَ هذا الْمَعْنَى الأخير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت