قوله:(واحتج به أصحابنا على أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة لأن اللفظ تابع للمعنى
وقد خص عليه الصلاة والسلام بالمعنى فيختص باللفظ، والاستنكاح طلب النكاح
والرغبة فيه)واحتج به أصحابنا أي بقوله: (خالصة) عَلَى أن النكاح أي
نكاح الأمة لا ينعقد بلفظ الهبة لأن اللَّفْظ تابع الخ. ولا يخفى عليك أن أئمتنا الْحَنَفيَّة لا
يستدلون بصحة عقد النكاح بلفظ الهبة بهذه الآية، بل استدلوا بصحة الْمَجَاز لأن الهبة سبب
لملك الرقبة وملك الرقبة سبب لملك المتعة فتحقق علاقة الْمَجَاز فإذا وجد القرينة عَلَى
عدم إرادة الْمَعْنَى الحقيقي وهي كون الواهبة حرة ينعقد به النكاح، أَلَا [تَرَى] أن أصحابنا
يجوزون النكاح بلفظ البيع بمثل ما ذكرنا في الهبة فإنكاره مكابرة، واستشهاد صاحب
الكَشَّاف بهذه الآية لمزيد التوضيح حيث وقع عقد النكاح بلفظ الهبة في الشرع بالْفعْل أو
بالفرض لا الاستشهاد بها عَلَى الجواز كَيْفَ لا ووقوعه في الشرع بناء عَلَى تحقق العلاقة
والقرينة أما العلاقة فالسببية، وأما القرينة فلكون الواهبة حرًا لا يحتمل الْمَعْنَى الحقيقي فثبت
كونه مَجَازًا والْمَجَاز لا يَخْتَصُّ بحضرة الرسالة فلا ريب أن الاخْتصَاص به عَلَيْهِ السَّلَامُ
كونه بلا مهر فظهر ضعف ما قاله الْمُصَنّف من أن اللَّفْظ تابع للمعنى لأنه إن أراد أن اللَّفْظ
مقيدًا بإرادة هذا الْمَعْنَى تابع فلا يضرنا لأنا لا نجوز لغيره عَلَيْهِ السَّلَامُ النكاح بلا مهر وإن
أراد مُطْلَقًا فغير مسلم والمستند ظَاهر مما ذكرناه من أن الْمَجَاز لا يَخْتَصُّ بحضرة الرسالة
بل هنا خص به حكم من أحكام الله تَعَالَى وهو جواز النكاح بلا مهر هنا ولا معنى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: واحتج به أصحابنا عَلَى أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة، وقد استشهد به أبو حنيفة رحمه
الله عَلَى جواز عقد النكاح بلفظ الهبة لأن رسول الله وأمته سواء في الأحكام إلا فيما خصه الدليل.
وقال الشَّافعي رحمه الله لا يصح العقد بلفظ الهبة في حق الأمة وقد خص رسول الله صلى الله
تَعَالَى عليه وسلم بمعنى الهبة ولفظها جميعًا فلما خص الْمَعْنَى هَاهُنَا به صلى الله تَعَالَى عليه وسلم
خص اللَّفْظ به لأن اللَّفْظ تابع للمعنى فاخْتصَاص الْمَعْنَى به يوجب اخْتصَاص اللَّفْظ ومدعي
الاشتراك في اللَّفْظ لا بد له من دليل. قال الإمام: قال الشافعي معنى الآية إِبَاحَةُ الْوَطْءِ بِالْهِبَةِ
وَحُصُولُ التَّزَوُّجِ بِلَفْظِهَا مِنْ خَوَاصِّكَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تِلْكَ الْمَرْأَةُ صَارَتْ خَالِصَةً لَكَ زَوْجَةً [وَمِنْ]
أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ لَا [تَحِلُّ لِغَيْرِكَ أَبَدًا، وَالتَّرْجِيحُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ عَلَى هَذَا فَالتَّخْصِيصُ] بِالْوَاهِبَةِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَإِنَّ أَزْوَاجَهُ كُلَّهُنَّ خَالِصَاتٌ لَهُ. وقال الطيبي: وجه التقرير أن الله تَعَالَى ذكر في هذه الآية طبقات
النساء المحللات للرسول صلى الله تَعَالَى عليه وسلم واخْتصَاصهن بما لم يوجد في غيرهن وهي
كونهن أمهات الْمُؤْمنينَ ولم يذكر في شيء منها لفظًا ينعقد به علقة الزوجية سوى ما ذكر في هذه
الواهبة نفسها فإنه تَعَالَى ما اكتفى بكونها صائرة من أمهات الْمُؤْمنينَ بسَبَب إحلال الله إياها
كالبواقي بل صرح بلفظ الهبة ولو لم يكن له مدخل في الاخْتصَاص لم يكن لذكره فَائدَة ولقائل أن
يقول فرق بين هذه الصورة وبين غيرها فإنه لو لم يذكر لفظ الهبة لم يحصل المقصود وهو بيان
حل [الوطء] بلفظ الهبة بخلاف غيرها فإنه لو ترك لفظ الهبة وصور الْكَلَام في غير هذه الصورة
فقيل وامرأة مؤمنة بدون ذكر إن وهبت نفسها ينصرف الْمَعْنَى إلَى حل [الوطء] بلفظ التزوج
كالْمَذْكُورات قبلها ويفوت المقصود فلذلك ذكر لفظ الهبة لا أن له مدخلًا في الاخْتصَاص .