قوله:(وفيه لغتان كما في قحة وقحة، وقرأ نافع وأبو عمرو مِنْسَأَتَهُ بألف بدلًا
من الهمزة وابن ذكوان بهمزة ساكنة وحمزة إذا وقف جعلها بين بين)كما في قحة بكسر
القاف وفتحها كعدة من الوقاحة فالْمَحْذُوف منها الفاء، وأما سينه فالْمَحْذُوف لامها سواء
كان واوا أو ياء.
قوله: (علمت الجن بعد الالتباس عليهم) وفي الْحَقيقَة الدليل الخرور لكن أسند إلَى
الدابة مَجَازًا لكونها سببًا. قوله بعد الالتباس. أي بعد التباس الأمر عَلَى عامتهم وضعفتهم
وتوهمهم أن كبارهم يصدقون في ادعائهم علم الغيب لأنهم كانوا يزعمون أن رؤساءهم يَعْلَمُونَ
الغيب فعلموا حِينَئِذٍ أن كبارهم لا يَعْلَمُونَ الغيب لأنهم لو علموا (ما لبثوا) الآية.
أو علم الجن كلهم علمًا بينًا بأن يستدل إلَى الكل ما للبعض مَجَازًا؛ إذ الالتباس في الْحَقيقَة
لضعفائهم كما مَرَّ. قال المحشي: والظَّاهر من كلام الْمُصَنّف أن الالتباس والتبين للكل فإنهم
كانوا يتوهمون أنهم يَعْلَمُونَ الغيب بما يتلقفون من الْمَلَائكَة عند استراق السمع مثلًا، وفيه ما فيه.
إذ المسخر لسليمان بعض الجن والتبين والالتباس لهم فَكَيْفَ يدعي أن الْمُرَاد مجموع الجن أَلَا
[تَرَى] أن قولهم: (ما لبثوا) في العذاب مختص بالمسخرين فالْمُرَاد ضعفاء الجن
كما عرفته، وأَيْضًا يلزم تفكيك الضَّمير في بعض الاحتمال.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: كما في قحة وقحة. بكسر القاف وفتحها من وقح الرجل إذا صار قليل الحياء فهو وقح
ووقاح بين القحة والهاء عوض من الواو وكَذَلكَ سئة القوس وهي ما عطف من طرفيها والجمع
سئات والهاء عوض من الواو أصلها وسئ بكسر الواو كما أن أصل قحة وقح عوض الهاء بعد
حذف الواو كما في العدة.
قوله: علمت الجن. يريد أن تبين إما من تبينه بمعنى علمه بينا فيكون متعديًا أو من تبين
بمعنى ظهر فيكون لازمًا فقوله: علمت الجن إشارة إلَى الاحتمال الأول، وقوله أو ظهر إشَارَة
إلى الاحتمال الثاني وعلى الثاني يكون أن مع ما في حيزهء بدلًا من الجن يدل الاشتمال كقولك:
تبين زيد جهله، فإن كان متعديًا فإن جعل التعريف في الجن للجنس كان الْمَعْنَى لو علم الجن
كلهم علمًا بينًا بعد التباس الأمر عَلَى عامتهم وضعفتهم وتوهمهم أن كبارهم يصدقون في
ادعائهم علم الغيب وإذا جعل للعهد، والْمُرَاد جن سليمان فيكون من باب وضع المظهر مَوْضع
المضمر فيفيد بحسب المقام معنى التهكم. والْمَعْنَى علم المدعون علم الغيب منهم عجزهم
وأنهم لا يَعْلَمُونَ الغيب وإن كانوا عالمين في ذلك، وإنما أريد التهكم بهم كما تتهكم بمدعي
الباطل إذا رخصت لحجته وظهر إبطاله بقولك: هل تبينت أنك مبطل وأنت تعلم أنه لم يزل
لذلك متبينًا وكما [تقول] لمن يدعي معرفة الشيء ثم ظهر عجزه عنه قد علم المدعي أنه لا يقدر
على ذلك الشيء والحال أنه لم يزل عالمًا به.