فهرس الكتاب

الصفحة 10418 من 19081

ومعنى القاعدة أن الأعيان أو المنافع التي يضطر إليها الإنسان وتشتد حاجته إليها, فعلى من يملكها أن يعطيه إياها ويمكنه منها وجوبًا بغير عوض إذا كان يملك منها ما يفضل عن حاجته, ولا يؤدي بذلها إلى إلحاق الضرر به, وذلك لأن (الضرر لا يزال بالضرر) , هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى فإن الشارع الحكيم حين أباح للمحتاج الانتفاع بمال الغير, فقد جعل تلك الإباحة موقوفة على عدم جر الضرر على صاحب المال, وهو ما وضحته قاعدة (الارتفاق بحق الغير لا يجوز مع الإضرار) .

وأول ما يجدر لفت النظر إليه هو أن القاعدة تشمل شيئين مما يجب بذله مجانًا, فهي تتحدث عن الانتفاع بالأعيان وعن استيفاء المنافع, وهو ما بينه ابن رجب - صاحب صيغة القاعدة - بقوله:"ما تدعو الحاجة إلى الانتفاع به من الأعيان - ولا ضرر في بذله لتيسره وكثرة وجوده - أو المنافع المحتاج إليها, يجب بذله مجانًا [1] ", فقد عطف المنافع على الأعيان بلفظة (أو) وهي هنا بمعنى (الواو) [2] , فظهر أنهما مختلفان لأن"العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه" [3] . ومن هنا كانت القاعدة شاملة لأزيد مما اشتملت عليه قاعدة: (من اضطر إلى نفع مال الغير, وجب بذله مجانًا مع بقاء عينه, وعدم حاجة ربه إليه) , والتي خصصت حكم وجوب البذل مجانًا بالمنفعة مع بقاء العين, أي تمكين المحتاج من الانتفاع دون تمليكه الذات المنتفع بها. يقول المرداوي:"من اضطر إلى نفع مال الغير, مع بقاء عينه, لدفع برد أو حر, أو"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] القواعد لابن رجب ص 258.

[2] يقول الأنباري"ذهب الكوفيون إلى أن (أو) تكون بمعنى الواو ... ، فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا ذلك لأنه قد جاء ذلك كثيرًا في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} [الصافات: الآية 147] ، فقيل في التفسير إنها بمعنى بل، أي بل يزيدون، وقيل إنها بمعنى الواو، أي ويزيدون"الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين للأنباري 2/ 478

[3] انظر بدائع الصنائع للكاساني 1/ 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت