المبحث الثالث
طور التنسيق والاستقرار
... لقد علمنا فيما مضى - بعد التقصي والاستقراء - أن القواعد الفقهية دارت في أول نشأتها على ألسنة المتقدمين من كبار التابعين وأئمة الاجتهاد, ثم تناقلها تلاميذهم, والفقهاء الذين تبعوهم, وهم يعملون الفكر فيها وينقحونها, ويزيدون في ثروتها, إلى أن جرى تدوينها واتضحت معالمها.
لكن القواعد على الرغم من تلك الجهود المتتابعة الكثيرة في مدونات مختلفة لم تتحرر من شوائب العلوم الأخرى القريبة منها, ففي الغالب تطرقت إلى بيان بعض القواعد الأصولية, مع الإلمام أحيانا بالفنون الفقهية الأخرى أيضا مثل الفروق والألغاز. فلم يستقر أمرها تمام الاستقرار إلى أن وضعت (مجلة الأحكام العدلية) على أيدي لجنة من فحول الفقهاء في عهد السلطان الغازي عبد العزيز خان العثماني في أواخر القرن الثالث عشر الهجري, ليعمل بها في المحاكم التي أنشئت في ذلك العهد.
وكان من يقظة هؤلاء الفقهاء وذكائهم أنهم وضعوا جملة من القواعد الفقهية في صدر هذه المجلة بعد استخلاصها وانتقائها من المصادر الفقهية ومن المراجع المذهبية المعتبرة التي سجلت فيها تلك القواعد, مثل الأشباه والنظائر لابن نجيم / 5, و مجامع الحقائق لأبي سعيد الخادمي / 5.
ولابد من الاعتراف بأن القائمين على"المجلة"أحسنوا في اختيارها, ثم في تنسيقها تنسيقًا قانونيًا رائعًا, حتى اشتهر ذكر القواعد وذاع صيتها عن طريق