الشرع يلزمه ويتضيق عليه, ولذلك صيغت القاعدة على مذهب هؤلاء بأسلوب خبري يقرر لزوم ما ضيقه المكلف على نفسه كما هو واضح في الصيغة الأولى من الصيغ الأخرى للقاعدة. ومراعاة لهذا الخلاف الذي دار بين الفقهاء في القاعدة, وردت عند بعضهم مصوغة بأسلوب الاستفهام المشعر بالخلاف.
وتضييق المكلف على نفسه قد يكون بما يرجع إلى بدنه, كنذره أن يحج ماشيا. وقد يكون بما يرجع إلى ماله, كنذره أن يتبرع بكل ماله إذا حصل له أمر يطلبه.
ومجال تطبيق هذه القاعدة: جميع رخص العبادات [1] والعادات [2] والمعاملات [3] التي يعدل عنها المكلف ولا يأخذ بها مع قيام سببها عنده, وكذلك كل ما يلزم به نفسه من القيود والشروط التي لم يطلبها الشرع, وأكثر ما يكون ذلك في العبادات التي تقترن بصور ينذرها المكلف, كنذره أن يصلي في الشمس.
أولا: أدلة الجمهور القائلين بأن ما وسعه الشرع لا يتضيق بتضييق المكلف:
1 -حديث أنس - رضي الله عنه - (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخا يهادى بين ابنيه فقال:"ما بال هذا"؟ قالوا: نذر أن يمشي , قال:"إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني", وأمره أن يركب [4] ) 1). وفي معنى هذا حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل [5] نذر أن يقوم ولا يقعد, ولا يستظل, ولا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مثال رخص العبادات جواز الإفطار في رمضان للمريض والمسافر الذي يجهده الصوم.
[2] مثال رخص العادات جواز أكل المضطر من الميتة لإنقاذ نفسه من خطر الهلاك.
[3] مثال رخص المعاملات جواز بيع العرايا إذا كانت دون خمسة أوسق.
[4] رواه البخاري 3/ 19 - 20 (1865) ؛ ومسلم 3/ 1263 - 1264 (1642) .
[5] هو أبو إسرائيل الأنصاري معروف بكنيته من أهل المدينة، له صحبة اسمه قشير. انظر أسد الغابة لأبي الحسن عز الدين الجزري المعروف باب الأثير 5/ 136؛ والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني 5/ 442.