3 ـ أن المقصد من الأعضاء منافعها, ولو كانت لمجرد الزينة؛ فإن الزينة بعض منافع البدن, ففي إتلاف منفعة العضو إزالة له في المعنى؛ لما فيها من إزالة ما خلق العضو من أجله, فيصير العضو بعد زوال منفعته عبئا على صاحبه, بل إن إزالة منفعة بعض الأعضاء, قد يكون أشد ضررا من قطع العضو؛ فإن العضو الأشل أشد مشقة على صاحبه من العضو المقطوع؛ ولذلك قال الإمام مالك - رضي الله عنه: (( إنما الدية في الكلام, ليس في اللسان؛ بمنزلة الأذنين؛ إنما الدية في السمع, وليس في الأذنين ) ) [1] .
1 ـ لو أن رجلا وجأ [2] رجلا؛ كما توجأ البهائم, وكان من أثر جنايته أن أصابه الشلل في الأنثيين, ففقدتا نفعهما, ففيهما الدية [3] .
2 ـ إن ضرب الجاني الشفتين؛ فأشلهما, وجب فيهما دية كاملة; لأنه أتلف منفعتهما, فوجبت ديتهما, كما لو أشل يديه, وإن تقلصتا فلم تنطبقا على الأسنان, أو استرختا؛ فصارتا لا تنفصلان عن الأسنان, ففيهما الدية; لأنه عطل منفعتهما وجمالهما, وإن تقلصتا بعض التقلص, وجبت الحكومة [4] ; لأن منافعهما لم تبطل بالكلية [5] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المدونة في الفقه المالكي 4/ 561.
[2] (الوجء) : اللكز والضرب؛ يقال: وَجَأَهُ باليد والسكين، وَجْأً: ضربه، ووجأ في عنقه كذلك، وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: (( من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم ) )، والوجء: أن تُرَضَّ أُنْثَيَا الفَحْلِ رَضًّا شديدًا يُذهِب شهوةَ الجماعِ ويتنزل في قطعه منزلة الخصي. انظر مادة: (وجأ) في: أساس البلاغة للزمخشري 2/ 9 - 10/، النهاية لابن الأثير 5/ 330، لسان العرب 1/ 190.
[3] الأم للشافعي 6/ 79.
[4] الحكومات جمع حكومة؛ وهي: الواجب الذي يُقَدِّرُهُ عدلٌ في جنايةٍ ليس فيها مقدار معيَّن من المال. انظر: أنيس الفقهاء 295، وانظر أيضا: بدائع الصنائع للكاساني 7/ 63 - 64، تبيين الحقائق للزيلعي 6/ 133، فتح القدير للكمال ابن الهمام 8/ 314، الفتاوى الهندية 6/ 24.
[5] انظر: المغني 8/ 349.